|
|
||||||
فبعد يوم واحد على تخوّف وزير الخارجية من تضرر لبنان من الضربة المحتملة على سوريا محذّرا من الصعوبات التي سيواجهها لبنان، لم يحاول منصور “تكحيلها” فذهب بالصراع الى أقصاه للقول “لا أخشى من دخول “حزب الله” أكثر في الحرب السورية”. فما هو القاسم المشترك بين التحذير من أن الضربة ستكون مؤذية للبنان، وهذا لا شكّ فيه، وبين الإطمئنان الى دخول “حزب الله” أكثر فأكثر في الحرب وتوريط لبنان فيها.. فما يصيب لبنان اليوم من تفجيرات وقبله من اغتيالات وما تكشفه تحقيقات القضاء اللبناني ما هو إلا صنيعة النظام السوري وثمرة معاندة “حزب الله” كل لبنان للوقوف الى جانب حليفه.. وما زال هناك من يشجّع الحزب ويحمّسه على اقتياد لبنان الى قعر الوادي!
ليس وحده “حزب الله” من يحظى بدعم الوزير منصور، إنما أيضا الأب الروحي للحزب وهو النظام السوري الذي يستحق جيشه، أو ما كان يعرف سابقا بـ”الجيش العربي السوري”، الغزل ليس لعروبته الوفية ولا لوطنيته الملغومة، إنما كما يقولها منصور لـ”الإنجازات النوعية التي حققها الجيش السوري في المنطقة التي شكلت صدمة للبعض”. إذاً، يُفهم من هذا الكلام أن البعض، وهو طبعا البعض الذي لا يؤيد قتال الجيش النظامي لشعبه حينا وإطلاقه الصواريخ على الأراضي اللبنانية حينا آخر، مصدوم من “إنجازات الجيش السوري”.
فما هي إنجازات هذا الجيش التي تركت أثر الصدمة في نفوس اللبنانيين المستقلين؟ في الواقع إن تلك الإنجازات كثيرة ولا يمكن تعدادها، لكن أبرزها أنه أنجز سابقة استدعت صدمة العالم كلّه وليس فقط صدمة “البعض” وهي تسميم شعبه وأطفاله ونسائه بعد أكثر من عامين على القتال.. كل الجيوش الوطنية تكون مهمّتها الدفاع عن شعبها والذود عن أرضها، وهذا ما يُعرف بالإنجاز النوعي لأنه إنجاز من نوع آخر.. وآخر تلك الإنجازات هو الهروب، هروب كل الضباط وعائلاتهم لأنّهم باتوا أكيدين من أن دورة المواجهة هذه المرة ستكون ضدّهم، على طريقة “يوم معك ويوم عليك”.
ومقابل مغازلة جيش النظام السوري، وبعد التنبيه الى أن الضربة العسكرية ستنعكس سلبا على لبنان، يوجّه منصور تحذيرا من “العمل العدائي” على مستويين: الأول على مستوى الدول التي تناقش توقيت الضربة والثاني على مستوى مجلس الأمن، لكنّه في كلتا الحالتين يصف الأمر بـ “العدائي”، وبالتالي فإن ردّ فعله على الخطوة سيكون نفسه إن كان القرار بالضربة دوليا محدودا أو أمميا. في هذا الإطار يقدّم منصور التوصيف التالي “أي عمل عدائي خارج مجلس الأمن يشكّل “بلطجة” وهو أشبه بعملية “Cowboy”!
إن تحذير منصور فقط يحول دون دخول العرب عصر أفلام “الويسترن” الذي عاشته الولايات المتحدة الأميركية، لكن جلّ ما تحتويه تلك الأفلام بالمفهوم الأصلي لها هي فكرة “الخلاص” لأنها تشدد على البطولة والشرف. أما استخدام كلمة “cowboy”، فربّما يعني وجود طرفين هما الفريق المقاتل والقطيع، غير أن دور البطولة كان يلعبه دائما شخص أشبه ببدوي يعتمر قبّعته ويرتدي معطفا جلديا ويحمل بندقيته ومسدسا ويترحّل بين حنايا الصحراء القاحلة ممتطيا حصانه.. وإذا صحّ تشبيه الغرب بالكاوبوي والحصان بالقطيع، فهل تكون الرسالة أولا وأخيرا الى مجلس الأمن وحده؟.
يظنّ منصور أنه بهذه الطريقة يتحايل على مجلس الأمن.. من جهة يمتدح الجيش النظامي ويبدي دعمه لـ”حزب الله” ومن جهة أخرى يتوجّه الى مجلس الأمن بطريقة غير مباشرة.. الى أي مدى سيؤثر تصريح الوزير بقرارات مجلس الأمن؟ وهل سيعيد مثلا مجلس الأمن النظر بموقفه حتى لا يصحّ تشبيه العمل العسكري بـ “بلطجة”، وبالتالي أن يصدر العمل العسكري من داخل مجلس الأمن؟ وحدها الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن هذا السؤال، لكن لا بدّ من القول، في شأن كلمة “بلطجة”، بغضّ النظر عن المعنى الذي استخدمت فيه، ان اللبنانيين يعيشون سنوات من البلطجة على القانون والدستور وحرمات الناس، منذ يوم 7 أيار وانقلاب القمصان السود على الدستور.. فأي موقف “تلبسه” معاني البلطجة بين تخليص الشعب السوري من حكم ديكتاتوري كيماوي مجرم وبين تهديد اللبنانيين من قبل شركائهم في الوطن من بيروت الى الجبل؟
في ظل هذه المواقف، ليس بغريب أن يدعم منصور آراءه بالقول إن “أي عدوان على سوريا سيقلب موازين القوى”.. فهل الممانعة باتت خائفة الى هذه الدرجة؟ وهل باتت تستجدي مجلس الأمن عن طريق وصف ردّ الفعل على ضرب الشعب السوري بالكيماوي بالبلطجة؟ إن الواقع، وكما تشير كل الأحداث، أن من هددوا الغرب كلاميا، وتحدّوا تحذيراته بالسمّ، هربوا عند الإستحقاق الفعلي الأول. لا يختلف الوصف بين “العدوان” و “العمل العدائي”، لكنّ الأكيد أن الشعبين اللبناني والسوري يحتاجان الى أن تنقلب موازين القوى.. فحذار من أن تسقط على سلاح الممانعة!