لم يسبق لأيّ إجراءات دوليّة ، أوعمليّة عسكريّة جماعيّة أو فرديّة ، أنْ أَخذت كلّ هذا التحضير النفسي
والإعلامي والسياسي ، وحتّى اللوجستي ، كما يحصل الآن في التعامل مع النظام السوري .
فلا عمليّات كوسوفو والبوسنة والهرسك ، ولا أفغانستان والعراق والصومال وليبيا وساحل العاج ومالي.. استنفدت كلّ هذا التجاذب والتحضير والتجييش وعروض الأساطيل ، وكشف بنوك الأهداف ، وتحديد الزمان والمكان وحجم القوّة الناريّة ، والتطمينات المسبقة ، وربّما توزيع الأثمان اللاحقة .
ولا شكّ في أنّ هذا الكشف يُسقط مفعول المباغتة العسكريّة ، ولكنّه يعوّض عنها بحصر الأضرار .
كأنّ المجتمع الدولي بدأ نوعاً جديداً من استراتيجيا حروب الردع والقمع ، يقوم على أساسَيْن :
1 – الحرب الإلكترونيّة عن بُعْد بدون دفع أثمان بشريّة بإنزالات ميدانيّة أو قصف غير دقيق يحصد مدنيّين. 2 – تحقيق بعض الأهداف نظريّاً قبل اصطيادها عمليّاً ، فلا يبقى الكثير لتحقيقه بالضربة الفعليّة .
وقد بدأت نتائج الضربة بالظهور قبل حصولها : فالنظام السوري يفقد ثقة شريحة من ضبّاطه الذين آثروا الإنشقاق ، ويتخلّص من آخرين في إطار إخفاء الأدلّة والشهود ، ويعمد إلى تهريب عائلات ضبّاط من صلبه ، ويسارع إلى تفريغ بعض مواقعه ، ونقل أو تمويه أخرى .
ولا يخفى ارتباك حليفتيْه إيران وروسيّا اللتين تتهيّبان الدخول في النار .
وإذا صحّت التكهّنات بأنّ موسكو على علم مسبق بتوجّهات الغرب العسكريّة ، وجاهزة للجلوس إلى طاولة ” يالطا ” مصغّرة لتوزيع مناطق النفوذ والمجالات الحيويّة ، فإنّ إيران لا تقلّ براغماتيّة وليست في وارد مغامرة كارثيّة لإنقاذ الأسد ، وستقبل بفتات النفوذ في رُقَع معزولة بين لبنان والعراق ، وفكّ طوق الخناق الإقتصادي ضمن تسوية لملفّها النووي .
وبين مصالح العمالقة مثل روسيّا وإيران ، لن يكون هناك حساب كبير للمتعملقين ك” حزب الله ” . وقد بدأت الضربة الغربيّة تفرض مفاعيلها عليه قبل أن تقع : فخلافاً لظهوره بمظهر ” المستكبر ” القادر على مواجهة العالم ، يتصاعد الحديث عن اضطراره لسحب بعض مجموعاته المقاتلة من سوريّا بحجّة توجيهها إلى جنوب لبنان أو لحماية مربّعاته ، مع سكوته المعبّر عن افتضاح مسؤوليّة مخابرات الأسد عن تفجيريّ طرابلس وقبلهما تفجير الرويس . ففي فم قيادته كثير من الماء منذ اغتيال عماد مغنيّة وصولاً إلى القُصَير .
وقد ظهر أنّ معادلة نصرالله باتّهامه ” التكفيريّين ” في تفجير الساحتين الشيعيّة والسنيّة لتأجيج الفتنة ، لم تكن موفّقة ولا في محلّها ، وانكشف مَنْ هو ” النظام التكفيري ” في خطّته القديمة الجديدة .
فخليّة المملوك – سماحة ذات أصول وفروع ، ولم تنتهِ باعتقال إحدى أدواتها ، لأنّ مشغِّل الأدوات قادر على انتاج البدائل وقِطَع الغيار .
وهذا ما جرى مع الشيخيْن الغريب ومنقاره والنقيب السوري محمّد علي و 4 من موقوفيّ صواريخ بلّونه ، وما ستكشفه الأيّام من شيوخ دينيّين ومدنيّين وعسكريّين ومن كلّ المذاهب ، بلحى وبدونها ، ومنهم مَنْ نالوا رتبة وزراء ونوّاب ومدراء ورؤساء أحزاب بقرارات من نظام الوصاية قبل انسحابه ، إضافة إلى منظّمات فلسطينيّة ومجموعات إرهابيّة صُنعت في أقبية مخابرات النظام ( تورّط ” القيادة العامّة ” من برج البراجنة في التفجيرات الأخيرة ، نموذجاً ) .
ولكنْ ، هل أنّ تحقيق بعض الأهداف يعني أنْ لا لزوم للضربات العسكريّة على النظام ؟
إنّ تحقيق الكثير من الأهداف الميدانيّة والسياسيّة والسيكولوجيّة حتّى الآن بدون طلقة واحدة ، يجب تحصينه بإجراء عسكري لا بدّ منه . لأنّ النظام وداعميه يستطيعون الإلتفاف على النتائج ومتابعة الحرب بعد انتهاء وجعهم النظري النفسي وعبور العاصفة .
لا بدّ من اقتران الألم النفسي بإيلام واقعي عملي ، كي تكون للخطّة الدوليّة مفاعيلها الإيجابيّة . فتحقيق نصف الأهداف مثل قَطْع ذَنَب الأفعى ، يزيدها أذىً وشراسة .
فلنتصوّر كيف تكون عليه حال العالم إذا استمرّ شلل مجلس الأمن . فلا بدّ من مرجعيّة تستطيع كبح جماح أيّ نظام أو دولة تلجأ إلى إبادة شعبها بالغازات السامّة أو بأيّ وسيلة دمار شامل ، كائناً ما كان العنوان والشعار : تدخّل لدواعٍ إنسانيّة ، تغيير موازين قوى ، تقاسم نفوذ .. فالمهمّ وقف المجازر ، والأولويّة لإنقاذ الأبرياء ، ولا صوت يعلو فوق صوت الحياة .
وفي أيّ حال ، التغيير قد بدأ بمجرّد الإعلان عن الضربة وقبل تنفيذها . وبعد أيلول لن يكون كما قبله ، وسوريّا باتت أمام جراحتيْن عسكريّة وسياسيّة ، سواء ب ” جنيف 2 ” بعد الضربة ، أو بانهيار النظام من داخله وتحت ضربات المعارضة .
ما يعني لبنان هو أن يفهم غلاة العنف وهواة الحرب أنّ ميدان عملهم لم يعُدْ مفتوحاً .
والعاقل هو مَنْ يغيّر طريقه عندما يشعر بوهج النار ، لا مَنْ ينتظر كي يراها ويدركها ، ويقع فيها !
