#adsense

في المصحّ..!

حجم الخط

 

قصة الاعترافات الموثّقة في تفجيرَي طرابلس كبيرة واستثنائية، ليس لأنّها دلّت بسرعة على هويّة المجرم المجهول المعلوم، وهو ما عزّ وغلا وغاب في جرائم كبيرة وكثيرة شهدها لبنان سابقاً، بل لأنّها جاءت في ظل ذهاب الانقسام السياسي المحلي خطوة إضافية باتجاه “نفق الدم العام” الذي بقي موصداً على مدى السنوات الثماني الماضية رغم كل ما جرى.

طَلَبَ بشار الأسد تفجير لبنان لاعتبارات كثيرة، منها كيدي انتقامي يتّصل بأشخاص محدّدين ومناطق معينة، ومنها خاص بوضعه المرضي ومتطلبات التشفّي من درّة التاج التي فقدها بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ومنها يتّصل بوضعه الكارثي الذي أوصل نفسه بنفسه إليه مع اندلاع الثورة ضدّه وتطوّرها باتجاه عسكري، حيث يرى حسابياً أنّ اشتعال لبنان يخفّف من التركيز المنصبّ عليه، ويخلط الأوراق ويُظهر قدرته العملية على وضع ما هدّد به موضع التنفيذ.. وهو الذي كان توعّد في بدايات الثورة بعد آذار العام 2011 من أنّ استهداف نظامه سيؤدي إلى اشتعال الدنيا بين البحرَين المتوسط وقزوين! أي اشتعال فتنة مذهبية إسلامية تامّة تُنسي أهل المنطقة والعالم خلفهم، تلك الأهازيج الخاصة بالحرّية والديموقراطية، وتعيد الجميع دفعة واحدة إلى مربّع “السترة” والأمان بعيداً عن طموحات التغيير الغالية!

في العموم أراد الأسد ذلك ويريده. لكنه في التفصيل يتصرّف وفق أجندة يطمح كل نظام (بغض النظر عن طبيعته وهويّته) إلى اعتمادها: مدّ نفوذه إلى خارج حدوده، والاستناد إلى خطوط دفاعية خارج حيّزه الجغرافي القومي أو الوطني. أي، في حالتَي الأسد وإيران، القتال في أرض الغير للدفاع عن الذات، وبالواسطة وليس مباشرة كلما أمكن ذلك!.. وفي لبنان لا مشكلة عند الأسد في ذلك أبداً. بل المشكلة في حقيقتها كبيرة إلى حدّ أنّها لم تعد فيه بل في أتباعه وأدواته وصنّاعه وحواشيه وحلفائه. وفي التركة الثقيلة التي خلّفتها سنوات وصايته الطويلة والمديدة والمتشعّبة في لبنان… والتي لشدّة تمكّنها و”صلابتها” وامتداداتها وتشعّباتها، بلغت حدود السكوت عن جرائمه و”طلباته” حتى لو وصلت هذه إلى الأهل.. وإلى جمهور الممانعة قبل سواه!

كان “سهلاً” في السنوات التي تلت جريمة 14 شباط 2005 تغليف تلك التبعية المريضة بشعارات كبيرة ومنطقية! ثم بتظهير ارتباطات أبعد من السياسة لتبريرها.. ارتباطات تتّصل بالمصائر والهويات الدينية والمذهبية! عدا عن الأهواء والطموحات الجبّارة والعابرة للحدود.. وكان “سهلاً” عند الممانعين في سياق تلك المعركة المفتوحة، تعليق العمل بالأخلاق (الخاصة والعامّة بالمناسبة!) وإحلال الفجور بكل أنواعه وأشكاله في موقع الصدارة: الافتراء والتخوين والسبّ والشتم والتزوير والتلفيق والتركيب والبلف والخداع والغدر.. والقتل المباشر و”الموضعي”، أي استهداف حالات شخصية محدّدة لتوجيه رسائل عامة!

.. كان يمكن في المقابل الدخول في جدال تحت ذلك السقف الانقسامي من موقع مضاد باعتبار “الأقدار” حكمت بأن يكون العمل الاستقلالي تهمة تامّة! والبحث عن إزالة الالتباس الخاص بمفهوم الدولة ثم التطلّع إلى بناء مؤسساتها “قضية خيانية”! وطلب العدالة الشخصية والسياسية لضحايا الغدر الأسدي الممانع، انخراطاً في مؤامرة صهيونية لا غبار عليها ولا كلس ولا شحتار! كان يمكن ولا يزال ممكناً، الانخراط في لعبة مجادلة أهل الممانعة في كل شاردة وواردة حتى قيام الساعة، لكن الحالة الراهنة تغدر باللغة، وتعطّل السياسة، وتفتح في المقابل مصحّات لها علاقة بالعقل.. أو بالأحرى بغيابه:

بأي منطق تُبرّر الفتنة! وبأي مصلحة يُربط سفك الدم بعشوائية مريضة؟ وإلى أي نص سياسي فقهي ديني أخلاقي يستند الإجرام العمومي و”الأهلي”؟ وما الفرق بين الانتحار والعبث؟ وما هو التشخيص الدقيق للفارق بين حالتي، مَن يقتل أهله وبيديه، ومَن يغطي قاتل أهله بإجرامه!!
أي نفق هذا.. بل أي مصحّ عقلي؟!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل