#adsense

“عقاب” تبرئة الذمة؟

حجم الخط

 

على الرغم من كثرة التأويلات، وتخمة “التنبؤات” وزحمة “التمنيات”، وكثرة المخاوف، ما زالت “الضربة” التي قد تزمع الولايات المتحدة الأميركية توجيهها للنظام السوري، بعد كارثة “الكيماوي” التي ذهبت بنحو 1400 شخص، “مجهولة”. أو الأحرى، مجهولة معلومة، أو معلومة غير معلومة، أو مكشوفة ومغطاة، أو سافرة ومحجبة… لكن السؤال الذي قد يبقى سؤالاً، لماذا ما زالت إدارة أوباما المترددة في اتخاذ مثل هذا القرار بعد سقوط قرابة مئة ألف قتيل في سوريا، وتهجير الملايين، وتدمير مدن وآثار ومعالم ومنازل وأحياء… وارتكاب مجازر؟ من أين جاء أوباما بهذه “الهمّة” المستنهضة والواهنة معاً من ركام تردداته، وقرر “ضربة”. لكن ضرب ماذا؟ الشعب السوري وثورته؟ النظام ومرتكباته؟ ضرب ماذا؟ النظام ببناه العسكرية والأمنية، تحقيقاً لترجيح كفة المعارضة (ومتى كان أوباما مع المعارضة!)، أم لإيجاد “توازن” ما في احتمالات الخراب، وإدامة الحرب (وهي أمنية إسرائيلية إيرانية بامتياز)، أم الضربة ليست أكثر من ضربة “كف”، أو ضربة “شمس” توجهها الى النظام ليبقى فتكون عندها مجرد رفع عتب ودغدغة لما تبقى من ضمير و”إراحة بال”، تحت شعار أخلاقي “العقاب”. عقاب على خطأ في تجاوز “الخطوط الحمر”، ومن ثم تعود الحرب الى مجاريها، ويحقق الجميع “انتصاراتهم”: أميركا تظهر للعالم “طهرانيتها” البيضاء، والنظام السوري يرفع أصابع النصر تحت يافطة “الصمود”، وتنطلق زغاريد إيران بانتصارها على أميركا في سوريا لأن النظام لم يسقط… وكذلك حزب الله، وصولاً الى 14 آذار… إنها “ضربة النشوة”. و”ضرب الحبيب زبيب”. وعندها بالذات، قد يرفع النظام السوري بعد “فوزه” المبين من وتيرة اعتداءاته، ومجازره، بالكيماوي وسواه، وتتدفق عليه الأموال والأسلحة من روسيا وإيران؛ أتكون هذه الضربة “ذريعة” لتمتين وضع النظام باعتبار أن “إسقاطه” ليس من أهدافها؟ وشد أزر إيران، وإرضاء إسرائيل التي ما زالت ترى في سقوط النظام “كارثة عليها”. وأين موقع الثورة السورية؟ والمعارضة؟ أتبقى أسطوانة “النصرة” و”التكفيريين” شغالة كحجة “غياب” أو “شهادة حضور”، أو مسارب تواطؤ. أترى “الضربة” ستقع لكي “ينتصر” الجميع فيها. وعندما ينتصر الجميع في حرب يعني استمرار الحرب. واستمرار القتل. والكوارث. والمجازر. والصواريخ. والطيران. وبراميل المتفجرات. والسجون المفتوحة!

إنها لعبة مسرحية؟ ربما! ويبدو أن السيناريو بات مكشوفاً(؟)، والساحات معروفة. والأهداف محددة وكذلك “الاستراتيجية” إذا كان ثمة استراتيجية في حال اتخذ أوباما قراره بالضربة… لكن أين العدو؟ كل حرب تعين “عدوّها” إلا هذه الحرب الأميركية المزعومة. أَعَدُوّها بشار الأسد؟ النظام؟ بعض الفرق العسكرية والمنصات (فيكون العدو متاعاً وأشياء أو تجريداً في تجريد) أَعَدُوّها “النصرة”. “الثورة نفسها”، إيران في سوريا أم سوريا في إيران؟ إن حرباً بلا عدو تعني أن الجميع غير أعداء. هكذا بكل بساطة. لا روسيا عدو أميركا. ولا أميركا عدو أحد. إذاً ضد مَنْ هذه الحرب الضربة المحدودة؟ أحرب بين “الأصدقاء”. والنظام السوري على امتداد أربعة عقود كان صديق الولايات المتحدة، استخدمته أو استخدمها لضرب الثورة الفلسطينية في لبنان، كجواز دخول للجيش البعثي كوصاية على لبنان؟ وعندما تستمع الى الخبراء العسكريين والسياسيين، والاختصاصيين، و”العارفين” و”العتّاق” و”المخبرين” والمرتزقة في وسائل الإعلام العربية والأجنبية، نكتشف وكأن كل ما يرددونه كأنه مستقى من مصدر واحد. من ببغاءات واحدة. وحتى “المتنبئون” باتت تنبؤاتهم معروفة. فإن الجميع بات على علم بما سيجري: الأهداف المقصودة. ويقال المطارات. تلك الفرقة 100. القاسيون. مراكز المخابرات. منصات إطلاق الصواريخ الكيماوية. إسأل أي رجل في الشارع فيقول لك ما يكرره كبار “العارفين”… فأي حرب هذه بلا أسرار يعرف تفاصيلها سلفاً كل الناس؟ غريب! وعندما تشاهد الخرائط المحددة والإشارات الحمراء الدالة على “الأهداف” المحددة، تتساءل وأي حرب تسلم مفاتيحها الى الجميع… وإلى “العدو”؟ أي حرب تكشف تفاصيلها، وأسلحتها، وخططها، وعدّتها وعتادها وأعدادها، ولون ملابس الجنود، وخوذهم، وبنطلوناتهم… وأصواتهم وأعمارهم… الى وسائل الإعلام؟ مسرحية كوميدية. نعم! مأسوية؟ نعم! لكن بلا أبطال، لكن بمخرجين من الدرجة السفلى. وكتاب حوار مرتبكين. وجمهور حفظ النص كله. وعددَ الكراسي. والديكورات. والإضاءة. والحِيَل المسرحية. ولهذا، عندما ينتظر الناس رفع الستار، أو “ساعة الصفر”، ينتظرون بلا انتظار. ويتابعون كمن يتابع فيلماً قديماً. ويصفقون من بداية العرض وكأنها نهايته.

والجانب الكوميدي في هذه “الزحمة” استنفارات دول الجوار كلها: تركيا، الأردن، العراق، إسرائيل (ما عدا لبنان!) ولا ننسى إيران وروسيا (سحبت أسطولها من طرطوس وجاءت بسفينتين الى المتوسط!)، وكأن هذه الحرب تشبه حربي 67 و1973. استنفار “عسكري” في تعابير إعلامية. طبول تدق في فضاء محصور. وكأنها تدق في غرف معدنية مغلقة. كل ذلك، للإيحاء بخطورة ما سيجري. ولعلّ قمة التشويق في هذه “العُقد” المسرحية خطاب أوباما. رائع حكواتي ابن حكواتي! والدليل على روعته تصريحه بأنه يمتلك خيارات عدة منها “الضربة” المحدودة لكن “القوية”. كمن يصفع جداراً! والمهم أن أوباما، وبعد استغراق “صوفي” طويل وعميق في حديثه التلفزيوني المطول تنفس ونهض واعترف وبشدة وبأس بأن النظام استعمل الكيماوي ضد شعبه، فيا لهذا الاعتراف الشجاع! ولكن هل يتراجع؟ عال! وأنه أي النظام يستحق العقاب. وأخيراً يتكلم على “العقاب”. عقاب المجرمين بعد سنتين ونصف من الإجرام. وبعد سنتين من “التنتيع”. تارة يطالب الأسد بالرحيل. وأخرى يحذر من “الجهاديين”، وفي أماكن يحذر من انتقال الأسلحة الكيماوية الى غير أصحابها من “الأمناء” أي النظام، لتقع في أيدي “المجانين” أي المعارضة، خصوصاً الجزء المتطرف منها. وبعد سنتين ونصف من الخراب، ها هو أوباما “بطل” الأخلاق الجمهورية الاميركية (الموصوفة بأخلاقياتها!)، يُقرر، ولكن لكي يقرر عليه أن يبرئ “ذمته” إزاء حلفاء النظام كأنه يقول لهم لا تخافوا! كل شيء تحت السيطرة. لن نُسقط “حليفكم” ولن نقوي الثورة! طمأن الروس وإيران (وصولاً الى حزب الله المطمئن على سلامة أبطاله في أرض الجهاد والواجب الجهادي!). وهاكم خرائط الضربة. هنا شكلية. وهنا صوتية. وهنا جدية. وهنا “عقابية”، وهنا جزئية. وهنا مفرقعات. وهنا “مؤذية”. ما عليكم، يقول أوباما، إلاّ أن تطلبوا من حليفكم أن يسحب كل الآليات والجنود والعتاد من الحواجز ومن الأماكن المستهدفة. وهكذا تصبح الضربة مواتية، ونظيفة. وربما وفي هذا الإطار “السلمي” الأخلاقي البيوريتاني، ولمَ لا الديني (أوباما مؤمن وكثيراً!)، حذر “المعارضة” من استغلال ضربته. فالضربة شيء، والحرب شيء آخر. الضربة شيء والدخول في الحرب شيء آخر. فحذار أيتها المعارضة استغلالنا. فقد يكون ذلك في مرتبة “الغدر”. ونكون عندها مُحرجين إزاء من وعدناهم (إيران، روسيا والصين)، بأن كل شيء سيكون على ما يرام. فلا نريد أن نستفز إيران وروسيا عندما “نمسّ” حليفهما! ولا نريد، كما فعلنا في ليبيا، الحنث بوعودنا. وحتى حلفاؤنا من فرنسا الى بريطانيا، لن نخيّب آمالهما. فهما “رجل في بور الحرب وأخرى في الفلاحة”. وهم مثلنا لا يريدون تكرار ما حصل في العراق (عندما سلمنا هذا البلد العربي الى إيران بعبقرية سياسية قلّ نظيرها)، وحتى في أفغانستان، لكي لا نذكر ليبيا، وكوسوفو. فميلوسوفيتش شيء وبشار الأسد شيء آخر، أسقطنا هنا مرتكبي المجازر العنصرية بهمة عالية، أما هنا، أي في سوريا، فهناك أمور أخرى غير المجازر العنصرية أو القتل بالكيماوي. هناك إسرائيل، وإسرائيل ليست من جارات كوسوفو. ونحن في كل خطوة مباركة نأخذ رضى إسرائيل، ومصلحتها، وفضائحها؛ وهنا بيت القصيد. فإسرائيل لا تريد إسقاط النظام دفعة واحدة. أو حتى بالتقسيط. ولو بدت مؤخراً أنها يئست من إمكان استمراره. صار عبئاً عليها؟ نعم! ولكن الكحل أفضل من العمى! أي الكيماوي أفضل من الثوار الذين في حال نجاحهم قد يطالبون بتحرير الجولان الذي سلَّمَنا إياه النظامُ فهوّدناه، وحسنّاه، وجعلناه من أجزائنا العزيزة.

لكن يُقال، وكثيرون رددوه، أن هذه الضربة وعلى الرغم من محدوديتها من شأنها إضعاف النظام، وبلبلة ما تبقى من جيشه والانشقاق عنه، ومضاعفة شعوره بالخطر، وإدراكه عدم القدرة على المحافظة على وتيرة عنفه غير المحدود على شعبه؛ وهذا قد يجعله يذهب الى جنيف بقوة متواضعة، وبانتصارات لا تذكر. وتزعم “الاستراتيجية” وخلفياتها، إن عدم إسقاط النظام والاستمرار في عدم تسليح المعارضة كما يجب، يقودها أيضاً الى جنيف2. وهنا تبدأ المفاوضات. وينتهي العقاب وكأن شيئاً لم يكن. “وصافي يا لبن”. أي أن الضربة هذه “جنيفية” بامتياز، لا تسقط أحداً ولا ترفع أحداً، لكن تُبقي الجميع يمشون على “عكازات” إليها. رائع! وهناك ما تردّد، وإن بشكل غير كبير، أن أوباما (كونفوشيوس البيت الأبيض)، عندما يتكلم عن الخيارات غير العسكرية، فيقصد ربما بها مشاورات تتم أو تمت بين حلفاء النظام وبين الرئيس بشار: الرحيل مقابل العدول عن الضربة. ترك السلطة وإنقاذ البلد من تداعيات الهجوم. وفي هذا السياق أبدى مسؤولون في العراق استعدادهم لتوفير ملاذ آمن للأسد وعائلته وضباطه وحاشيته في العراق. وهذا أذيع لكن على غير تأكيد. أو البقاء حتى العام المقبل نهاية ولايته، وتسليم السلطة الى هيئة مؤلفة من المعارضة ومن بعض المُجارين للنظام، مع الاحتفاظ ببنية القوات الأمنية، والمسلحة… حتى لا يحدث في سوريا، بعد الأسد، ما حدث للعراق، بعد صدام عندما حُلّ الجيش العراقي وأجهزة النظام كلها… وفاضت الفوضى التي ما زالت مستمرة حتى الآن. لكن لا نظن أن بشار الأسد يمكن أن يتخلى عن منصبه، خصوصاً بعد “نوعية” الضربة التي يعرف مداها، ومحتواها، وموادها سلفاً. ولا إيران، ربما، ستخفف من دعمه. ولا حزب الله تابعاً لإيران يمكن أن يعود الى لبنان… ربما، وبسبب ما ننتظره من “حرب لن تقع”، و”ضربة تقع وكأنها لم تقع”، يمكن أن يتشجع كل المتطرفين في العالم، وكل الأصوليين، وكل السلفيين، وما تبقى من الطغاة، لتصعيد أعمالهم الإرهابية، والعنيفة، لزرع اللاإستقرار، في مناطق النزاع. وهذا وارد ربما في مصر مع “الأخوان”، وقد “يتموقع” مع النهضة في تونس، ومع المتطرفين في ليبيا، ومع حزب الله وولاية الفقيه. وفلول الوصاية السورية في لبنان. فإذا كانت الولايات المتحدة والغرب أعجز من أن يتخذ موقفاً منسجماً مع ما يزعمه من قيم ديموقراطية، والدفاع عنها، فلا يعني ذلك سوى أن موقفه يصب عند المتطرفين، خصوصاً إسرائيل في توسعها الاستيطاني، وتمييزها العنصري. وهنا بالذات ينتهي دور الأمم المتحدة، ومجلس أمنها، والمجتمع الدولي، وهيئات الدفاع عن الحقوق المدنية والإنسانية. يُصبح العالم كله فضاء للفوضى القاتلة، ومرتعاً للتطرف والجنون. وهنا بالذات لا بد من أن يكون للدول العربية والإسلامية التي تدعم الثورات العربية، أن تتجاوز أولاً خلافاتها، وتشكل قوة تواجه مختلف مشاريع التفتيت المذهبي الذي تعتمده إسرائيل، وتمعن فيه إيران… على هذا وفي ذبذبة الغرب، وتماديه في التواطؤ، يبقى الدور العربي والمطلوب. الدور العربي هو الذي يدافع عن عروبة العرب، وليس أميركا ولا فرنسا ولا بريطانيا ولا إيران، ولا إسرائيل!

ثمة فراغ يحدثه المجتمع الدولي… وعلى العرب أن يملأوه. وإلاّ، فلن تُبقي الفتن والمؤامرات في الأيدي والمصائر شيئاً!
وكلمة أخيراً: ها نحن ننتظر “الضربة”! أتكون حاملة مفاجآت… أم حاملة خيبات؟ أم أنها لن تقع أو ستقع وكأنها لم تقع؟
هذا ما ستخبرنا به ساعات الصفر الطويلة!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل