#adsense

يكفينا جدالاً حول “جنس الملائكة”.. إنهم شياطين!

حجم الخط

لا خلاف بين اللبنانيين في أنهم دخلوا، ومن الباب الواسع هذه المرة، في ما كانوا يحذرون منه جميعهم على مدى أكثر من عامين، الا أنهم يختلفون بعمق حول الأسباب والعوامل التي أوصلتهم الى هذه الحالة.

فهم الآن يخشون من كل سيارة مركونة في الشارع، ظنا منهم أنها مفخّخة ومعدّة للتفجير، وحتى من كل فرد من بينهم، توهماً بأنه قد يكون “مفخخاً” بدوره وعلى وشك ارتكاب جريمة بحقهم، في الوقت الذي لا يعرف أحد منهم ماذا يكون غده وكيف وربما في أي مكان يكون. وبعد المتفجرتين في طرابلس، لا سيما الموقعين اللذين استهدفهما، لم يعد الشكل الخارجي للمواطن اللبناني يميزه عن أي مواطن آخر ولا حتى يعني شيئا بالنسبة لغيره من الناس.

ومع أن الأمر لا يقف عند هذا الحد الأمني، على أهميته القصوى، فهو يتجاوزه الى أوجه الحياة الأخرى كلها… المالية والاقتصادية الاجتماعية والتعليمية والصحية والأسرية الخ… لكن اللبنانيين، بالرغم مما مر بهم من أحداث وتجارب وأهوال(وربما لهذا السبب أيضا)، ما زالوا يتجادلون حول جنس الملائكة، كما اعتادوا هم أنفسهم على القول.

ونماذج ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى:

يقال في هذا الصدد، على سبيل المثال، أن الحرب السورية كانت ستنتقل حكما وبالضرورة الى لبنان حتى ولو لم يقرر “حزب الله” أن يشارك فيها بمقاتليه وآلته العسكرية، فضلا عن اعلان أمينه العام استعداده للتوجه شخصيا الى سوريا اذا دعت الحاجة. لكن، هل يشكل ذلك تبريرا من أي نوع لتورط الحزب(وتاليا لبنان كله) كما هي الحال الآن في هذه الحرب؟.

أكثر من ذلك، هل كانت قيادة الحزب، لو أنها لم تتورط بهذا الشكل في سوريا، تتمتع بحرية أكبر وطلاقة يدين أكثر مما هي عليه الآن، لجهة قراءة طبيعة وحقيقة المتفجرتين في بئرالعبد والرويس والهدف منهما، ثم بعد ذلك بأقل من أسبوع متفجرتي طرابلس والهدف منهما، مع ما تشي به الجرائم الأربع في ما يتعلق بالفاعل الواحد أو أقله المستفيد الواحد منها جميعها… كفعل مزور تحت اسم “عائشة أم المؤمنين” أولاً ثم رد فعل عليه بادي التزوير، ولو من دون اسم، في مرحلة لاحقة؟.

ويقال أيضا ان ما يحدث في لبنان الآن هو قدره، للأسباب الجغرافية والتاريخية والقومية وحتى السياسية المعروفة، وأن أحدا لم يكن يملك أن يحول دون انتقال الحرب السورية اليه، تماما كما هي الحال بالنسية لتدفق النازحين بمئات الآلاف في خلال العامين الماضيين. لكن، ألا يجوز السؤال في هذا المقام لماذا لم تنتقل الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما الى سوريا على الرغم من روابط الجغرافيا والتاريخ والقومية والسياسية(لا سيما السياسية هذه) نفسها؟.

الواقع أن سوريا، أو نظامها الحالي تحديدا، هي التي قررت على مدى العقود الماضية متى وكيف وأين ولأي سبب، وبأية وتيرة، تبدأ الحروب في لبنان… الداخلية منها، طائفية كانت أو مذهبية أو جهوية، والاقليمية على حد سواء.

واذا نحينا جانبا أطماع النظام وحاشيته وأتباعه بلبنان، لاسيما منها المالية والاقتصادية، فقد باتت جلية الى حد لا ينكره الا مكابر، سياساته الاقليمية من ضمن استراتيجية متكاملة مع ايران في ابقاء لبنان أسير حروبه(حروبهما معا) على مساحة المنطقة العربية وحتى العالم كله.

والحال أن الحرب تدور الآن في عقر دار الأسد وضده شخصيا من جهة أولى، وأنها باتت تهدده فعلا الى درجة اضطراره للاستنجاد بايران و”حزب الله” والحوثيين اليمنيين والميليشيات العراقية من جهة ثانية، فهل هناك ما يمنعه، وهو القادر على ذلك من خلال شبكاته وعملائه الكثر، من نقلها الى لبنان، أقله تخفيفا للضغوط عليه في الداخل من جهة ولتكرار القول من جهة ثانية أن ما يتعرض ليس سوى “حرب كونية” تستهدف المنطقة كلها؟.

ويقال أيضا انها “الفوضى الخلاقة” التي تحدثت عنها كوندوليسا رايس عشية انتهاء مرحلة جورج بوش، مرفقة هذه المرة بحروب “التكفيريين” في المنطقة(الاسم الجديد لـ”القاعدة” وأخواتها)، وأن لبنان لا يمكن أن يبقى بمعزل عن هذه الفوضى، ان لم يكن بسبب موقعه وحساسياته فأقله بسبب “حزب الله”. لكن، ألم يكن في قدرة اللبنانيين على افتراض صحة ذلك أن يحيدوا أنفسهم وبلدهم عن الدخول طوعا وبقرار واع(مشاركة “حزب الله” في الحرب السورية) في معمعة هذه الفوضى؟.

أكثر من ذلك، هل كان يجب الذهاب من دون دعوة الى “الفوضى الخلاقة” هذه بدلا من انتظار أن تأتي هي الى لبنان…هذا اذا كانت ستأتي فعلا؟.

واقع الحال، أن اللبنانيين الذين يتعرضون الآن لأسوأ سموم الحرب السورية(الطائفية والمذهبية الضيقة)، والذين ما زالوا بالرغم من ذلك يتجادلون حول جنس الملائكة، مدعوون في هذه الفترة الخطرة ليس فقط لمحاولة حقن الدماء وحصرالأضرارالتي تحيق بهم، بل أقله لتعديل طفيف في الكلمات التي يقيمون جدالهم حولها.

اذ لم تعد المسألة هنا مسألة جنس ملائكة، على سخافة الجدال في هذا الشأن، بل باتت بعد المتفجرات في بئر العبد والرويس وطرابلس، حول جنس الشياطين الذين يتكفلون هم أنفسهم وكلما وجدوا حاجة لذلك أن يعلنوا مسؤوليتهم عما يشهده لبنان الآن من مآس وويلات، أو حروب بديلة، أو حتى “فوضى” مصدرة من الخارج.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل