اضعف قرار البرلمان البريطاني بعدم المشاركة في ضربة عسكرية موقف الولايات المتحدة الاميركية بحيث قدم لروسيا ورئيسها فلاديمير بوتين هدية تساهم في تقوية الموقف الروسي المعارض للموقف الاميركي ولم يلبث الرئيس الروسي ان استخدم هذه الهدية في دفاعه عن النظام السوري بذريعة عدم استخدامه الاسلحة الكيماوية. وليس سهلاً تأثير الموقف البريطاني كونه يضيف الارجحية من حيث المبدأ في مجموعة الدول الخمس الكبرى في مجلس الامن الدولي الى موقفي روسيا والصين في وجه الولايات المتحدة التي لم تقف معها سوى فرنسا من بين هذه الدول على رغم ان موقف الحكومة البريطانية مغاير لموقف البرلمان لكنها تلتزمه. وكذلك من خارجه لجهة امتناع دول اوروبية عن المشاركة في الضربة العسكرية كألمانيا وايطاليا على رغم موافقة البلدين على الاعتراض وادانة استخدام الاسلحة الكيماوية. وعلى رغم ان الولايات المتحدة قد لا تكون في حاجة ماسة للمساعدة العسكرية فانها تدرك اهمية وجود تحالف دولي داعم لخطوتها من جهة ومشاركة هذا التحالف الذي سعت اليه من دون نجاح كبير. اذ ان اتحاد دول اميركا اللاتينية نأى بنفسه عن هذا المنحى ولو ان موقفه معنوي ورمزي ليس الا، لكن يبقى له معنى من ضمن افتقار الضربة العسكرية الى غطاء من تحالف دولي اراده الاميركيون انفسهم. وموقف الناتو الذي اعلن عدم مشاركته ايضاً في العمل العسكري مؤثر مما يترك الحلفاء من الدول الاقليمية في وضع صعب الى حد كبير، ولو انها تستطيع ان تشكل غطاء كافياً مساعداً في هذا الاطار خصوصا انها دول اسلامية معنية مباشرة بالصراع القائم في سوريا. فمن جهة فان كل الدول الاوروبية والاميركية اللاتينية ليست معنية بالتداعيات المباشرة للحرب في سوريا مثلما تعاني دول المنطقة الاكثر تأثراً بالتوازنات السياسية من جهة وبما يجري ميدانيا من جهة اخرى. لكن المسألة في المقابل ان الولايات المتحدة وضعت عناوين للضربة العسكرية المفترضة بعضها يشكل احراجاً للدول المشاركة متى تعلق الأمر بقرار اميركا “حماية مصالحها وأمنها القومي الأمر الذي يبدو تحدياً شخصياً يتعين على اوباما خوضه دون سائر الاخرين على رغم طموح دول اقليمية عدة بتدخل اميركي بعد اشهر على بدء الازمة منعاً لتفاقمها. وكذلك الأمر متى تعلقت المسألة بتوجيه ضربة محدودة لا تعدو كونها انقاذا لماء الوجه للرئيس الاميركي الذي اعتبر استخدام الاسلحة الكيماوية خطاً احمر لن تتساهل ادارته ازاء تجاوزه. في حين تغدو مسألة مبررة ومفهومة متى ارتبطت الضربة العسكرية بمفهوم “المخاطر التي يشكلها استخدام بشار الاسد السلاح الكيماوي مجدداً وما يمكن ان يتهدد امن المنطقة و”توجيه رسالة الى “ايران” و”حزب الله” وكوريا الشمالية” وفق ما صاغ وزير الخارجية الاميركية جون كيري المطالعة مقدما الادلة المبررة للتصرف الاميركي، وهو ما يستجيب للقلق الذي يساور دول المنطقة في هذه النقاط نتيجة الصراع القائم بالواسطة في سوريا بين محور تقوده ايران مع سوريا في مقابل محور عربي اقليمي آخر.
يرتبط الكثير في المرحلة القريبة المقبلة بطبيعة الضربة العسكرية واهدافها ونتائجها وتداعياتها ولو ان معالمها حددت نظرياً وكلامياً علناً ووراء الكواليس في الاتصالات والاجتماعات المغلقة لكن الأمور لن تتوضح الا بعد حصولها خصوصاً ان حبراً كثيراً سال في وسائل الاعلام الاميركية والغربية دعماً للضربة العسكرية ضد النظام ومع توسيعها في اتجاه اطاحته او تحفظا عن أي تدخل اميركي بأي ذريعة كانت خصوصاً ان الولايات المتحدة قاومت الاستدراج الى الوحول السورية ما يزيد على عامين حتى الآن وسقوط ما يزيد على مئة الف قتيل وتهديد دول الجوار. لكن بالنسبة الى مراقبين سياسيين وديبلوماسيين لبنانيين، فان الوضوح في موقف كيري حول الرسالة الموجهة الى ايران و”حزب الله” عبر الضربة العسكرية ضد النظام السوري سيعطي “مشروعية” او اوراق قوية لهذا الفريق لكي يستخدمها كذريعة من اجل اتخاذ كل ما يلزم من اجل مواجهة ما يعتبره هذا المحور موجهاً ضده استهلالاً بزيارة وفد ايراني الى كل من دمشق وبيروت للتنسيق والدعم عشية العد العكسي للضربة العسكرية المفترضة. وهذا لا يعني ان هذا الفريق لم يكن سيلجأ الى الخيارات التي سيعتمدها في اي حال تحت وطأة التهديد الذي سيستشعره النظام في سوريا حتى لو لم يدرج كيري الضربة العسكرية من ضمن الرسائل الموجهة الى هذه الأطراف.
لكن ذلك يعني ان الحرب مفتوحة ومستمرة بين الجانبين وستكون سوريا كما لبنان على الأرجح مسرحاً مستمراً لها وسيبقى كل الوضع مجيراً لهذا الهدف والضربة العسكرية لن تكون اكثر من مجرد محطة او وقود اضافي لها عملا بالمثل الشعبي القائل “الازمة التي لا تقتلك تقويك”. وهذا على الاقل ما يبنى على الموقف السياسي وحده في حين ان البناء سيتم ايضا على الموقف العسكري خصوصا اذا اضعفت الضربة العسكرية النظام نسبيا ولم تقصم ظهره بحيث تدفع به الى القبول بالذهاب الى حل تفاوضي طمأنت الولايات المتحدة المعنيين الى نيتها حياله ايضاً بازاء الضربة او اذا كانت هذه الاخيرة مجرد رفع عتب لكي تكف الدول الحليفة الاقليمية عن مطالبة الولايات المتحدة بالتدخل، وغياب تحالف دولي واسع داعم يبرر لها تحديد او تحجيم الضربة العسكرية وعدم التدخل فعلاً لا الآن ولا لاحقاً او اذا كانت انقاذا لماء الوجه الاميركي. ولبنان على الاقل معني بهذا الكلام ومفاعيله في ظل تخوف مبرر لدى مراقبين كثر من ان تستخدم ايران لبنان ساحة للرد بأي طريقة كانت ان من خلال التشدد في المواقف السياسية المعرقلة للاستحقاقات اللبنانية أو عبر استهدافات اخرى شهدت المراحل الماضية من عمر الحرب في لبنان نماذج منها علما ان لبنان حضر ايضا في خطاب كيري.