Site icon Lebanese Forces Official Website

لو كنت “8 آذار” وأنا أسمع جعجع… (فيرا بو منصف)

كلام أبعد قليلاً من السياسة الصرف. خطاب د. سمير جعجع في قداس الشهداء. لو كنت من “8 آذار” كيف كنت لا تلقّى الكلام الكبير الذي قيل؟ لا احب أن أكون هناك بالتأكيد، لكن في خطابه لبست آذانهم واستمعت.

الانطباع الاول، الكراهية!ّ بالتأكيد. لا يمكن، لا يمكن الا تكره  خصماً عندما يدخل عنوة الى عمق ما تعاني، ليستخرج من الداخل المضطرب كل الافكار التي تعذّب أصحابها وأصحابها لا يعترفون ولا يبوحون، ” ليست نهاية العالم أن نكتشف عدم صوابية خياراتنا، بل نهاية العالم أن نستمر بها ولو عن غير قناعة. عودوا الى حقيقتكم، تيار وطني سيادي حر، ولا تكملوا بعكس التيار…” قال لهم.

بعد ثورة الكراهية تبدأ مشاعر السخرية والازدراء رفضاً لقناعتهم الداخلية بصوابية ما يقول، وخصوصاً عند اعلانه حقيقة ما عادت تقبل الجدل لناحية تعاطي “حزب السلاح” بالقضايا اللبنانية عموما: “لبنان في أتعس ايامه، لأن بعض التعساء قبضوا على معظم مقدّراته، وما من تعاسةٍ مثل تحكُّم التعساء… لبنان في أصعب ايامه، لأن حزباً مسلّحاً قرر نيابةً عن بقية اللبنانيين، وخلافاً لإرادتهم، مصادرة القرار الوطني والتصرّف به على هواه، داخلياً وخارجياً، منغّصاً على اللبنانيين عيشهم في الداخل، مشرّعاً عليهم أبواب جهنّم من الخارج”… الا يعرفون انهم يعيشون جهنم، الا يحترقون معنا في هذا الجحيم؟! يعرفون هذا وأكثر بكثير، يعيشون كل ذلك ويشعرون بتعاسة أكبر أتعرفون لماذا؟ لانهم لا يعيشون حرية المشاعر، لا  يعبّرون عن أنفسهم، انهم عبيد في ذواتهم فكيف سيتحررون ما لم يطلقوا العنان لقناعاتهم؟!

لو كنت من “8 آذار”، لنفرت من سمير جعجع، ولم يكن شعوري ليكون أعنف يوماً من تلك اللحظات الصعبة المرّة التي عبرت في قداس الشهداء، لماذا؟ لان الرجل ضرب على كل الاوتار الصعبة، قال ما نعرفه في سرّنا، “معادلة الجيش والشعب والمقاومة أكل الدهر عليها في القُصير وشرب في غوطة دمشق من دماء النساء والأطفال والمطلوب اليوم ثلاثية الشعب والدولة والمؤسسات…”. يعرفون ان هذا هو المطلوب، ويعرفون أكثر بان رئيس البلاد الذي  يتعرّض لاعنف هجوم في تاريخ الجمهورية اللبنانية، وصل الى حدّ تهديده بالصواريخ، وهو آخر الامال المعلقة على حبل ما تبقى من الوطن، “رئيس الجمهورية لن يرحل لأنّ برحيله رحيلٌ للجمهورية، وهذا ما يريده بعضهم، من يريد لرئيس الجمهورية ان يرحل، عليه هو أن يرحل، امّا الجمهورية، جمهورية بشير الجميّل ورينه معوض ورفيق الحريري، فباقية باقية باقية”…

وانا استمع بآذان “8 آذار”، عرفت كم ان الرجل خطير، خطير جداً لانه تجاوز حدود المكان ليوجّه رسالة نوعية الى كل مسيحي مشرقي حر، عملياً هي ليست رسالة، انما دعوة للثورة على الذات في وقت يدعو سواه الى موت الحرية، وقمع ثورة المسيح فيهم من خلال دعمهم لبقائهم بمعزل عن ثورات بلدانهم، “إن حمايتكم الفعلية لا تؤمّنها أنظمة مفلسة فقدت كل شيء إلا سمعتها السوداء، وإنما اعتمادكم على انفسكم وحمل قضايا مجتمعاتكم جنباً الى جنب مع اخوتكم في المواطنية، لا تكونوا شهود زورٍ او حتى مُتفرّجين على ما يُرتكب بحق الحرية والإنسان، إن المتفرّج شيطانٌ أخرس سرعان ما يلفظه التاريخ”…

لماذا ترك هذا الخطاب كل هذا الضجيج من حوله؟ ألانه أعاد زمام المبادرة لقوى “14 آذار” المسترخية في الغفا؟ ألانه أعاد الوهج لاهمية التحالف مع الرئيس الحريري وباقي القوى السياسية وما شابه؟ كل ما ذُكر جيد ومنطقي، لكن ما لم يذكر هو انه لم يكن خطابا، كان كلام الناس، حكيهم، دردشاتهم، همساتهم، صراخهم، خوفهم، امانيهم، سخطهم، محبتهم وأيضا كراهيتهم.

كان الخطاب نحن، بعض منا والكثير مما هو فينا، وأخطر ما فيه ان سمير جعجع المستهدف الدائم والمفضّل في لائحة الاغتيالات، تربّع الآن وأكثر من أي وقت مضى على  تلك اللائحة المضيافة لناسنا، خصوصا عندما أعلن وبكل عنفوان وثبات القادة بأن”صمود آخر قلاع المقاومة في لبنان منع الجمهورية اللبنانية من السقوط بالضربة القاضية، فتحيةً الى المقاومة الحقيقية الفعلية… نحن نقاوم هذا الواقع بالشراسة نفسها التي قاومنا بها إحتلالاتٍ سابقة… هلّموا لإعلاء حصون المقاومة الحقة لثورة الأرز، وتوسيع رقعتها”…

أكيد لو كنت من “8 آذار” لاعلنت الجهاد على الرجل، لانه أعلن نهايتي، كشف موتي أنا الذي اتهرّب من دفن رفاتي! الا يكفي انه غرز في القلوب جذوة حب جديدة قوامها الثورة؟ الا يكفي انه حرّض المترددين والمتناغمين مع منظومة الاستسلام للانتفاضة على الذات؟ الا يكفي انه جعل من “8 آذار” وتحديداً ذاك الحزب المدمّر، هدفا مباشراً لكل وطني حرّ رافض لاحتلال أرضه وكرامته؟؟ كيف يمكن أن يتقبل مواطن من “8 آذار” دفق كل هذه الكرامة الهجينة عليه، ويصمت؟!…

Exit mobile version