وقف رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على منصة سياسية عالية أمس في خطاب لرجل دولة يحدد التطلعات للعالم العربي وشعوبه وللبنان الرسمي أيضاً، راسماً صورة للمستقبل تظهر فيها قوى 14 آذار من اليوم في وضع الأقوى وخصومها فاقدين ميزة القدرة على الفرض يتمتعون بها اليوم متفردين. وفتح أفقاً بل خط تماس سياسياً في كلامه على مواصفات لرئيس الجمهورية المقبل سيقول كثيرون إنها تنطبق بالأكثر عليه. ولم لا ما دام النائب ألان عون أعلن قبل أيام في حديث صحافي أن النائب الجنرال ميشال عون مرشح، مبدياً (الخال) في أحاديث صحافية هو الآخر أقصى الإنفتاح على قوى ومواقع يدرك أنها القادرة على منعه من العودة إلى بعبدا أو إعادته إليها. يمكن تفسير كلام جعجع في هذا السياق على أنه إمساك بمقود الفريق الذي ينتمي إليه سياسياً ووطنياً في هذا الموضوع الذي سيطغى على ما عداه في الأشهر المقبلة: عون مرشح يعني جعجع مرشح أيضاً.
مواقف جعجع تضمنها خطابه في إحياء ذكرى شهداء “القوات” في معراب أمس تحت شعار “أبطال كنّا… ومنبقى”، في حضور جمع كبير من النواب والمسؤولين الحزبيين في تحالف 14 آذار و”القوات”. ومما قال رئيس “القوات” بعد القداس:”(…) لبنان في اصعب ايامه، لأن حزباً مسلّحاً قرر نيابةً عن بقية اللبنانيين، وخلافاً لإرادتهم مصادرة القرار الوطني والتصرّف به على هواه، داخلياً وخارجياً، منغّصاً على اللبنانيين عيشهم في الداخل، مشرّعاً عليهم أبواب جهنّم من الخارج.”
وبعدما أكد أن اللبنانيين “هم الغالبون” في النهاية، سأل: “من اتّخذ القرار بذهاب “حزب الله” الى سوريا؟ وماذا تبقّى من مفهوم الاستراتيجية الدفاعية؟ ماذا تبقّى من معادلة “جيش وشعب ومقاومة” بعدما تفرّد الحزب بقراره فتجاهل وجود الجيش، وضرب عرض الحائط بإرادة الشعب؟ إن هذه المعادلة المسخ قد ماتت على يد “حزب الله” بالذات، امّا نحن فتكفّلنا بمراسم دفنها ووضع حجرٍ كبيرٍ على قبرها منذ أمد بعيد”. وأكد أن “معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” أكل الدهر عليها في القُصير، وشربت في غوطة دمشق من دماء النساء والأطفال، إن المطلوب اليوم هو ثلاثية “الشعب والدولة والمؤسسات”…
وقال: “لا، لن يرحل، قد يُستهدف بالصواريخ، قد يتعرضّ لحملات التخوين والتشكيك، قد يكون عرضة للابتزاز والترهيب، ولكن لا، رئيس الجمهورية لن يرحل، لأنّ برحيله رحيلٌ للجمهورية، وهذا ما يريده البعض. من يريد لرئيس الجمهورية ان يرحل، عليه هو أن يرحل. امّا الجمهورية، جمهورية بشير الجميّل ورينه معوض ورفيق الحريري، فباقية باقية باقية…” وأضاف: “لن نقبل بتعطيل الإنتخابات الرئاسية (…) ولن نكون هذه المرة مجرد لاعبين عاديين في انتخابات الرئاسة بل سنضع نصب أعيننا إعادتها إلى وهجها”.
وشدد على “أننا نريد حكومةً وطنية شعبية تحصر همومها بمعالجة شؤون اللبنانيين وشجونهم، لا بمحاربة الشياطين، الكبار منهم والصغار، ولا بدعم “نظام السجون والقبور”، وتوريط لبنان في صراعات المنطقة، لن نقبل بعد اليوم بأي حكومةٍ، سواء كانت سياسية او تكنوقراط، جامعة او حيادية، حزبية او غير حزبية، لا يُشكل “اعلان بعبدا” جوهر بيانها الوزاري”.
وتوجّه الى الرئيس سعد الحريري بالقول: “مسؤولية كبيرة أن ادعوك للعودة، لكني قطعاً لن ادعوك للبقاء حيث انت، لأن لبنان ورفاقك في ثورة الأرز اشتاقوا اليك بالفعل. يوماً بعد يوم يزداد رهان اللبنانيين على تحالفنا، لأنّهم يرون فيه إنقاذاً لصيغة لبنان التنوع، لبنان الاعتدال، لبنان الحرية، لبنان التناغم مع عالمه العربي والمجتمع الدولي. إن ما جمعته الحرية والنضال في سبيل هذا اللبنان لن تقوى على تفريقه لا مسافات جغرافية ولا محاولات إرهابية.”
وتوجّه الى “المسيحيين المشرقيين” بالقول: “إن مصالحكم الحيوية والمستقبلية في هذه البقعة بالذات ليست مع زمرٍ نفعيةٍ مافيويةٍ زائلة (…) لا تكونوا شهود زورٍ او حتى مُتفرّجين على ما يُرتكب بحق الحرية والإنسان، إن المتفرّج شيطانٌ أخرس سرعان ما يلفظه التاريخ”.
واعتبر جعجع أن “المتطرفين والتكفيريين ليسوا من الربيع العربي بشيء، لأن مشروعهم العقائدي كان قائماً وناشطاً قبل بزوغ فجر الربيع العربي بعقودٍ، ولأن هذا المشروع لا يعترف اصلاً لا بالعروبة ولا بالربيع. فإن الأنظمة الديكتاتورية تريد ان تضعنا أمام خيارٍ من اثنين: إمّا تكفيرية دينية، او تكفيريةٌ دكتاتورية بغلافٍ علماني. ونحن ضد الإثنين معاً. إن السوط الطالباني والجزمة البعثية وجهان لعملةٍ تدميرية رجعية واحدة، إن خيارنا هو لا السوط الطالباني ولا الجزمة البعثية، بل الربيع العربي.