قدّم رئيس حزب «القوات اللبنانية» خطاباً يتماهى بكلّ عناوينه مع تطلّعات الرأي العام الاستقلالي الذي أحبطته التنازلات والمساومات، حيث أعاد الدكتور سمير جعجع في هذا الخطاب تحديد السقف السياسي الذي يفترض بقوى 14 آذار اعتماده في كلّ الملفّات الوطنية الخلافية.
العنوان الجديد الذي حملته كلمة جعجع تمثّل في افتتاحه معركة الانتخابات الرئاسية، لأنّ القضايا الأخرى المتصلة بالحكومة والحوار وثلاثية “جيش وشعب ومقاومة” ودور “حزب الله” التعطيلي لقيام الدولة وتأييد الثورات العربية والتشديد على رسالة المسيحيين المشرقيين والتأكيد على مبادئ ثورة الأرز وغيرها، هي مواقف مكرّرة، وأهمّيتها تكمن في ثبات رئيس القوات على هذه المواقف انطلاقاً من فلسفةٍ دأبَ أخيراً على تكرارها، ومفادُها أنّه إذا كان يستحيل استئصال “السرطان” من الجسم اللبناني، فإنّه يجب بالحدّ الأدنى وقف تمدّد هذا السرطان عبر وضع حدّ لأيّ مساكنة داخل المؤسسات، تعطي إشارات ضعف تشجّع الطرف الآخر على المضيّ قدُما في مشروعه القاضي بقضم البلد وخطفه، فيما منظومة الممانعة والمواجهة والصمود هي الوسيلة الوحيدة لدفعه إلى الحوار وفق شروط البلد.ويتقاطع رئيس القوات في نهجه مع تيار ” المستقبل” الذي لعب ولا يزال دور رأس الحربة في مواجهة مشروع “حزب الله” في لبنان وامتداداته الإقليمية، وشكّلت البيانات الصادرة عن تكتّل “المستقبل” النيابي قوّة دفع أساسية في المرحلة الأخيرة، فضلاً عن الدور الذي تلعبه النائبة بهيّة الحريري، وكذلك الإطلالة الأخيرة للرئيس سعد الحريري في الإفطارات الرمضانية، وبالتالي التمايز إنْ وجد بين “المستقبل” و”القوات” لا يخرج عن الإطار الشكلي لا الجوهري. وإذا كانت كلمة جعجع دلّت ولو بشكل غير مباشر إلى أنّ الغيمة الانتخابية بين مكوّنات 14 آذار ذهبت إلى غير رجعة، وأنّ العلاقة بين “القوات” و”المستقبل” عادت إلى سابق عهدها، فإنّ ما تفتقد إليه الساحة الـ14 آذارية اليوم هو المبادرات السياسية، بعد عودة الأولوية في الخطاب السياسي لهذه المكوّنات إلى الخطر الوجودي على لبنان، وبالتالي أمام جعجع اليوم مسؤولية استكمال السقف السياسي الذي وضعه بمبادرة عملية تبدأ بإعادة الروح إلى الجسم الـ14 آذاري الذي ترهّل وفقد وهجه، ولا تنتهي بوضع خريطة طريق مشتركة لمواجهة الاستحقاقات الأمنية والدستورية وفي طليعتها استحقاق رئاسة الجمهورية.ففي ظلّ غياب الحريري عن المسرح الوطني بفعل الظروف المعلومة، ووجود معلومات أمنية عربية-غربية عن نيّة جدّية لاغتياله، يفترض برئيس القوات أن يأخذ زمام المبادرة، وهذه فرصة له وللحركة الاستقلالية للخروج من مستنقع الجمود السياسي، ونجاح جعجع يتوقّف على مدى قدرته على لعب دور الحاضنة لا المنافس، وتغليب المعيار الـ14 آذاري على القواتي، والتحوّل إلى رافعة المشروع السياسي ولو على حساب الحزبية القواتية.فالقيادة تطلب التضحية، والتجربة أثبتت قديماً وحديثاً أنّ المنافسة الانتخابية لدى كلّ القوى السياسية تطغى على أيّ اعتبار آخر، حيث تعتبر، وهذا حقّ، أنّ الأولوية هي لوجودها وحضورها السياسيين، وبالتالي أيّ محاولة للإطاحة بوجودها، ولو تحت عنوان وطنيّ، ستدفعها للاستماتة في الدفاع عن نفسها قبل أيّ شيء، وبالتالي من مصلحة “القوات” الظهور بمظهر الفريق الحاضن للقوى المستقلّة المسيحية، والشريك للفريق السنّي من منطلق الاستراتيجية الوطنية لا تقاسُم النفوذ والمواقع.وإذا كان “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، فإنه ليس بالخطابات وحدها تُخاض المعارك والمواجهات السياسية، ومن هذا المنطلق خطاب الدكتور جعجع أكثر من ممتاز، ولكنّ أهميته الفعلية تكمن في مدى القدرة على ترجمته العملية، وإذا كانت هذه الترجمة متعذّرة اليوم وطنياً، فلا يعني الانكفاء سياسياً، إنّما ينبغي الترجمة حيث القدرة على ذلك مؤمّنة، أي داخل الحركة الاستقلالية، لأنّ إعادة الحياة إلى هذه الحركة كفيلة بإطلاق ديناميات سياسية تمهّد السبيل لاختراقات وطنية، خصوصاً أنّ رئيس “القوات” افتتح المعركة الرئاسية واضعاً المواصفات المطلوب أن يتمتّع بها الرئيس المقبل، هذه المواصفات التي تتطلّب أوّلاً تَبَنِّياً من كلّ مكوّنات 14 آذار الحزبية والمستقلة، والاتفاق ثانياً على خطة مشتركة لخوض المعركة الرئاسية على قاعدة تجنّب الفراغ ولبنَنة الاستحقاق وامتلاك المبادرة وحشر الخصم وإيصال الشخصية التي تزاوج بين المواصفات التي وضعها جعجع وبين طبيعة المرحلة.
