تحدى رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع التفجير واليأس والمخاوف والأخطار التي يعيشها لبنان، فما إن صرخ “مستمرون” ثلاث مرات متتالية حتى علا التصفيق ولوح الجميع بالأعلام. لم يخفِ الحكيم عدم اطمئنانه إلى حال الوطن، فقام بجردة على كل القضايا اليومية الاجتماعية والسياسية. بداية توجه الى “حزب الله” والنظام السوري، مشبهاً القصر الجمهوري ووزارة الدفاع بـ”حيفا وما بعد حيفا” فأضحك الحضور. وما إن لفظ كلمة “حزب الله” حتى صرخ الجمهور ضد الحزب.
تحدث الحكيم عن سقوط كل أوراق التين وورقة التفاهم. توجه الى “قلاع قوى 14 آزار ورئاسة الجمهورية”. واضح أن خطاب الحكيم كان تحليلاً للمرحلة المستقبلية للإحاطة بكل التطورات، منبئاً بأن ثمة متغيرات جذرية حاصلة وصولاً الى رئاسة الجمهورية. وعلى الرغم من كل الصعاب، صمم على “المقاومة”، ودعا الى “إزكاء شعلة ثورة الأرز”. ورفض إزاحة رئيس الجمهورية “فمن يريد أن يرحل الرئيس ليرحل هو”. وعندما تحدث عن مواصفات الرئيس الجديد صرخ الجميع “ما في غيرك يا حكيم”، حتى كاد التصفيق يعلو على كل ما في المكان.
طالب بثلاثية “الشعب والدولة والمؤسسات”. نادى ثوار الأرز وحثّهم على “استكمال مشروعهم”. واستذكر خاتمة قافلة الشهداء وهو الشاب هاشم السلمان. عبّر عن شوقه وشوق كل قوى 14 آذار الى “صديقي سعد الحريري”. وربط ثورة الأرز بربيع العرب، مظهراً تعاطفه حيال “تضحيات الشعب السوري الكبير”. وتوجه الى “التيار الوطني الحر” قائلاً: “عودوا الى طبيعتكم، ولا تكملوا بعكس التيار. أخرجوا من 7 أيار وعودوا الى 7 آب”.
لراحة نفس شهداء حزب “القوات اللبنانية” صلّى القواتيون في معراب أمس. قدّاس يتكرّر في كل عام، يستذكر فيه الحزب شهداء ضحّوا من أجل استقلال لبنان، يتذّكرونهم في هذا العام والأحوال من حول لبنان تبدّلت والظروف تغيّرت. فإن لم تصل الأحداث السياسية الى خواتيمها، وإن طغت خطورتها على كل المناسبات، تبقى ذكرى شهداء “القوات” ذات نكهة خاصة لأنها مرتبطة في عمقها ومعانيها بحقبة واجه فيها الشهداء النظام السوري بصدور عارية. ويبدو أن اليوم الذي سترقد نفوسهم فيه مطمئنة قد اقترب.
إنه يوم الوفاء لشهداء لم يقدّموا حياتهم في واجب مفروض عليهم، لأنهم ضحّوا من أجل الحفاظ على الـ10452 كلم مربع شعار مؤسس حزبهم وشهيد الجمهورية بشير الجميل. لم يستشهدوا من أجل حفنة من المال أو قُدّموا أضحية من أجل مقعد أو مركز، فرئيس حزبهم سمير جعجع ضحى بدوره بسنوات من عمره في السجن بعدما ناضل من أجل قضية وطنية. اجتمع بأهالي الشهداء ليكون الرابط بين الشهداء وأهلهم وأبنائهم وإخوتهم شعار الاحتفال “أبطال كنا.. ومنبقى”. وتجدر الإشارة الى أن رئيس الجمهورية ميشال سليمان أرسل باقة من الورود في المناسبة.
وبسبب الظروف الأمنية المحيطة بالوضعين الداخلي والإقليمي، اقتصر الحضور في معراب على أهالي الشهداء وشخصيات سياسية واقتصادية وإعلامية واجتماعية. على طول الطريق المؤدية الى معراب انتشر عناصر الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وبالكاد أمكن بلوغ المدخل، فاضطر أصحاب السيارات الى ركنها في ساحة البلدة. وصولاً الى معراب، في الساحة الداخلية ارتفعت الى اليمين لافتة عليها أسماء الشهداء وفي وسطها صورة لبشير الجميل.
افتتح الاحتفال “كشافة الحرية” في جولة على وقع أغنية “عليي عليي”، وجالت بين الحضور وكلهم من أهالي الشهداء والمدعوين ومعوقي الحرب. والى اليسار شجر يكسو جبل معراب. وانطلق القداس وارتفعت الصلوات للشهداء تعبق برائحة البخور. في عظته، تناول ممثل البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي الأب جورج صدقة، معاني الشهادة قداسة القضية في الدفاع عن الوطن. وتوجه الى الامهات والآباء والى رئيس “القوات” ووصفه بـ”المؤتمن على الإرث والبطولات”.
وبعد القداس، حمل كل الحضور أعلام “القوات” ولوحوا بها على وقع “نشيد الشهيد” الذي أنشدته سنا موسى نصّار للسيدة ماجدة الرومي، وترافق ذلك مع لوحة تعبيرية جسّدت شعار الذكرى لهذا العام. وعلت الأعلام متمايلة مع الموسيقى وصرخ الجميع “الله، قوات، حكيم وبس”، وبدأ الجميع يصفق لحن “القوات” وهم يرددون “حكيم حكيم”. ثم علا الصراخ وعادت الأعلام تحلق في سماء معراب وردد الجميع “القوات اللبنانيي وحدا بتحمي المسيحيي”.
حضر القداس الاحتفالي الذي أقيم في باحة المقر العام لـ”القوات” في معراب: ممثل الرئيس أمين الجميل عقيلته جويس الجميل، ممثل الرئيس سعد الحريري النائب نهاد المشنوق، ممثل وزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال مروان شربل العميد جورج عاقوري، النواب: جورج عدوان، ستريدا جعجع، ايلي كيروز، انطوان زهرا، جوزف المعلوف، شانت جنجنيان، فادي كرم، أحمد فتفت، جان أوغاسابيان، زياد القادري، أمين وهبه، جمال الجراح، انطوان سعد، هادي حبيش، فادي الهبر، باسم الشاب، ميشال فرعون، عاطف مجدلاني، سيرج طورسركيسيان وايلي عون، ممثل النائب بطرس حرب جورج حرب، ممثل النائب ايلي ماروني ندى ماروني، الوزراء السابقون: جو سركيس، طوني كرم، ابراهيم نجار، سليم ورده، ريا الحسن، حسن منيمنة، محمد رحال، سليم الصايغ، يوسف سلامة، النواب السابقون: صولانج بشير الجميل، نائلة رينيه معوض، بيار دكاش، حبيب حكيم، محمد الامين عيتاني، انطوان اندراوس، غبريال المر، منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار فارس سعيد، الأمين العام لحزب “الوطنيين الأحرار” الياس أبو عاصي، ممثل رئيس “حركة التجدد الديموقراطي” أمين سر الحركة انطوان حداد، ممثل الأمين العام لـ”تيار المستقبل” احمد الحريري بسام عبد الملك، ممثل رئيس “حركة الاستقلال” ميشال معوض طوني شديد، ممثل حزب “الطاشناق” افيديس ديديان، ممثل حزب “الرامغافار” أرديم ننجيان، ممثل حزب “الهانشاك” مارديك جامبوجيان، ممثل بطريرك الارمن الارثوذكس آرام الاول كيشيشيان نرسيس زوبويان، ممثل المدير العام لقوى الامن الداخلي بالوكالة العميد ابراهيم بصبوص المقدم جوني داغر، رئيس جمعية الصناعيين اللبنانيين نعمت افرام، وحشد من الفاعليات وأهالي الشهداء.
جعجع
وألقى جعجع كلمة قال فيها: “قدرنا على هذه الأرض أن نكون أبطالاً، فالبديل رضوخٌ واستعباد وفناء. أبطالاً كنّا، وأبطالاً نبقى في مواجهة الدكتاتوريين الكيميائيين والإرهابيين. مهما فجّروا، ومهما فعلوا، لا مكان لليأس بيننا، ولا مكان للخوف عندنا. نحن أبناء الحياة والإيمان والرجاء والقيامة، عايشنا المخاطر والتحديات، وواجهنا الشر والسوء والغدر والقهر، وها نحن اليوم هنا أقوياء صامدون. لقضية الوجود الحر في هذا الشرق مخلصون، لكل أنواع المؤامرات والتهديدات متربّصون، وحتى بلوغ النصر المبين، مستمرّون، مستمرّون، مستمرّون”.
أضاف: “إنّ لبنان الذي حلمنا به معاً ليس في أفضل حال هذه الأيام. لبنان الذي أردناه أخضر مُشرقاً، جاء من يسعى الى تحويله أصفر شاحباً. لبنان في أتعس أحواله هذه الأيام، فمؤسسات الدولة تعاني شللاً شبه كامل، والاستحقاقات الدستورية مُلغاة حتى إشعارٍ الهي سوري آخر، والأمن سائب تنهشه فوضى السلاح والتفجيرات المتنقلّة، والاقتصاد لا حياة فيه، والوضع المعيشي حدّث ولا حرج. أجل، لبنان في أتعس أيامه، لأن بعض التعساء قبضوا على معظم مقدّراته، وما من تعاسةٍ مثل تحكُّم التعساء. لبنان في أصعب أيامه، لأن حزباً مسلّحاً قرر نيابةً عن بقية اللبنانيين، وخلافاً لإرادتهم، مصادرة القرار الوطني والتصرّف به على هواه، داخلياً وخارجياً، منغّصاً على اللبنانيين عيشهم في الداخل، مشرّعاً عليهم أبواب جهنّم من الخارج. لبنان في أصعب أيامه، لأن هذا الحزب قرر أن طريق فلسطين لا تمّر عبر المؤسسات الدستورية ولا عبر إعلان بعبدا أو القرار1701، وإنما فوق أشلاء أهالي القصير وحلب وحمص وغوطة دمشق، بعدما جعلها تمّر عبر شوارع بيروت وأزقّتها وقرى الجبل ولبنان بأكمله. لبنان في أصعب أيامه، لأن الكاتيوشا أصبحت رمزه الوطني، لم تستمر في سوق التداول الدموية فحسب، وإنما تبدّلت وجهتها أيضاً. فها إنّ القصر الجمهوري يصبح حيفا، ووزارة الدفاع الوطني ما بعد بعد حيفا. لبنان في أتعس أيامه، لأن البعض لم يكفه التعطيل، والتفريغ، والتخوين، والتخييم، والتقتيل والترهيب، والفساد والصفقات والتزوير، حتى بلغ به التمادي حدّ تهديد لبنان الكيان في توازناته، ولبنان الوطن في دوره ورسالته، ولبنان الدولة في مؤسساته ومقوماته. لبنان في أصعب أيامه اجل، ولكن اللبنانيين “هم الغالبون” في النهاية”.
ورأى أن “حزب الله قرر تغيير وجه لبنان المُشعّ، تيمّناً بما هو حاصل في الجمهورية الإسلامية في إيران. وان استراتيجيته لتغيير وجه لبنان قائمةٌ على قدمٍ وساق منذ أمدٍ بعيد، إلاّ ان تورّطه المباشر في سوريا عجّل في سقوط آخر أوراق التين التي تلطّى خلفها كلّ تلك السنين، فلم يبقَ إلاّ ورقة تفاهم بيّنت الأيّام ما كانت الغاية منها”، معتبراً أن “تورط حزب الله في سوريا واحتكاره السلاح والسلطة في لبنان، وانتهاكه الدستور ومخالفته القوانين، ومعاكسته إرادة الشركاء في الوطن والمصير، أسقط الصيغة ووضع الميثاق الوطني في مهب الريح، كما أدى الى تهميش المواقع والمؤسسات الشرعية واحدةً بعد أخرى”.
وسأل: “من اتّخذ القرار بذهاب الحزب الى سوريا؟ وماذا تبقّى من مفهوم الاستراتيجية الدفاعية؟ ماذا تبقّى من معادلة “جيش وشعب ومقاومة” بعدما تفرّد الحزب بقراره فتجاهل وجود الجيش، وضرب عرض الحائط بإرادة الشعب؟”، مشيراً إلى أن “هذه المعادلة المسخ ماتت على يد حزب الله بالذات، أمّا نحن فتكفّلنا بمراسم دفنها ووضع حجرٍ كبيرٍ على قبرها منذ أمد بعيد”.
ولفت الى أن “لبنان يعيش اليوم هذا الواقع المرير، لكن بعض القلاع لا تزال تقاوم وتصر على رفض هذا الواقع، وفي طليعة هذه القلاع قوى 14 آذار، ورئاسة الجمهورية وبعض المواقع في الإدارات العامة وأكثرية صامتة مغلوبٌ على أمرها من اللبنانيين. إن صمود آخر قلاع المقاومة في لبنان، منع الجمهورية اللبنانية من السقوط بالضربة القاضية”. وحيّا “المقاومة الحقيقية الفعلية، و14 آذار، ورئيس الجمهورية والأكثرية الشعبية الصامتة، وجميع الوطنيين والشرفاء والأحرار. هؤلاء هم أشرف الناس وأكثر الناس حرصاً على حياة الناس”.
وتوجه الى اللبنانيين بقوله: “إن الثورة تولد من رحم الأحزان، والأوضاع الصعبة. هلّموا من رحم آلامنا وأمننا المستباح واقتصادنا المنهار نزكي شعلة ثورة الأرز من جديد. هلّموا لإعلاء حصون المقاومة الحقة لثورة الأرز، وتوسيع رقعتها. إنّ استرجاع قرارنا الوطني، باب خلاصنا، هو رهنٌ بموقفكم، وإرادتكم، وتوقكم الى غدٍ لبناني أفضل، فلا تتأخروا. لا، لن يرحل. قد يُستهدف بالصواريخ، قد يتعرضّ لحملات التخوين والتشكيك، قد يكون عرضة للابتزاز والترهيب، ولكن لا، رئيس الجمهورية لن يرحل، لأنّ برحيله رحيلٌ للجمهورية، وهذا ما يريده البعض. من يريد لرئيس الجمهورية أن يرحل، عليه هو أن يرحل. أمّا الجمهورية، جمهورية بشير الجميّل ورينه معوض ورفيق الحريري، فباقية باقية باقية. إن من يريد لرئيس الجمهورية أن يرحل، هو نفسه من يخطط منذ الآن، إمّا لوصول رئيس صوري للبنان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وإمّا لتعطيل الانتخابات”.
وشدد على “أننا لن نقبل بتعطيل الانتخابات الرئاسية، ولا بأن تأتي انتخابات الرئاسة ثمرة صفقة إقليمية من هنا أو نتيجة مساومة سوداء من هناك. لن نكون هذه المرة مجرّد لاعبين عاديين في انتخابات الرئاسة بل سنضع نصب أعيننا إعادة رئاسة الجمهورية إلى وهجها”، مؤكداً أن “انتخابات الرئاسة هي المدخل الأساس لتحرير القرار في لبنان، ولن نقبل بأن تكون استمراراً لمصادرته والتعايش القسري مع الأزمة. وأن تفعيل موقع الرئاسة يتطلّب منّا كلبنانيين أن نُحدد بوضوح مواصفات الرئيس العتيد. نريد رئيساً قوياً يعيد للجمهورية قوتها ورونقها. لا جمهورية قوية من دون رئيس قوي. نريد رئيساً تأتمنه ثورة الأرز على مبادئها. نريد رئيساً قائداً يجترح الحلول، لا رئيساً مديراً يدير الأزمة. نريد رئيساً يضمن وصول قارب الدولة والعدالة، وأحادية السلاح، الى شاطىء الأمان. نريد رئيساً يفاوض ولا يساوم، يُصالح ولا يُقايض، يُغامر ولا يُقامر، يقود سفينة الدولة إلى ميناء الخلاص. نريد رئيساً يُنقّي المؤسسات الرسمية ويُصلح ما أفسده “دهر الوصاية”. نريد رئيساً متجذّراً في الأرض التي أنبتت سنابل ورجالاً، ويكون كلامه: نعم نعم ولا لا”.
وأوضح أن “الحكومة التي نصبو إليها اليوم، هي حكومة انسجام لا انفصام، حكومة تعمير لا تدمير، حكومة تشغيل لا تعطيل، حكومة استقرار وبحبوحة وإصلاح، لا حكومة فسادٍ وشللٍ وضياع. نريد حكومة وجوه جديدة، وممارساتٍ جديدة، ودمٍ جديد، تستنهض اللبنانيين وتستقطب رؤوس الأموال من جديد وتُفعّل الصناعة والسياحة والتجارة والاقتصاد والخدمات. نريد حكومةً وطنية شعبية تحصر همومها بمعالجة شؤون اللبنانيين وشجونهم، لا بمحاربة الشياطين، الكبار منهم والصغار، ولا بدعم “نظام السجون والقبور”، وتوريط لبنان في صراعات المنطقة. لن نقبل بعد اليوم بأي حكومةٍ، سواء كانت سياسية أو تكنوقراط، جامعة أو حيادية، حزبية أو غير حزبية، لا يُشكل “إعلان بعبدا” جوهر بيانها الوزاري”.
ورأى أن “معادلة “الجيش والشعب والمقاومة” أكل الدهر عليها في القُصير، وشرب في غوطة دمشق من دماء النساء والأطفال، والمطلوب اليوم هو ثلاثية “الشعب والدولة والمؤسسات””، معتبراً أن “الذين يتباكون على تراجع الدولة، فيما هم متمترسون في صلب السلطة كلّياً منذ العام 2010 على الأقل، دموعهم دموع تماسيح. لقد فشلوا في إدارة البلاد، ليس لأنهم فاشلون فقط، وإنما لأن مشروعهم بالأساس، ليس الدولة والنظام والمؤسسات، وإنما الدويلة والفساد والسمسرات”.
ورأى أن “لا حول ولا دولة في لبنان اليوم، لأن أصحاب مشروع الدويلة والميليشيا وحلفاءهم، نصّبوا أنفسهم أمناء على مقدرات هذه الدولة، ولأنه بكل بساطة حاميها حراميها، فلا نعيدنّ الكرة من جديد. وعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يفعلوا شيئاً لضبط موجات النزوح السورية المتتالية وهم في صلب السلطة منذ العام 2010، ويأتون اليوم بثياب الحملان يتباكون على مشكلة النازحين”، مشيراً الى أن “هذه الاستعراضات الدعائية وحملات تحميل المسؤولية للآخرين، التي يتقنها البعض، هي من العوامل الأساسية لتقهقر العمل الوزاري في لبنان. فلا نعيدنّ الكرة من جديد”.
وخاطب شعب ثورة الأرز بقوله: “أبطالاً كنّا ونبقى، لم نتراجع أمام محاور الشرّ في أوج قوتها وجبروتها، ولن نتراجع اليوم أمامها في زمن انحلالها وهبوطها. إذا كان القمع والاغتيال قد أرجعانا خطوةً الى الوراء، فإن الحرية والديموقراطية دحرتا الطغاة والديكتاتوريين خطواتٍ الى الوراء. إذا كُنّا نشعر بأننا لسنا في أحسن أحوالنا، فأخصامنا في حالة موتٍ سريري. إذا كنا نشعر بأننا مسمّرون في أماكننا، فأخصامنا يغرقون في رمالهم الدموية المتحركة. صحيحٌ أن مسلسل الاغتيالات أفقدنا كوكبةً من قياداتنا ورجال الفكر والمُحركين لثورتنا، ولكن طالما أن أرحام أمّهاتنا في لبنان ما زالت تلد أطفالاً أحراراً، فلا خوف على ثورتنا، لا خوف على لبنان. إن اغتيال رفاق لنا في ثورة الأرز، وآخرهم الطالب الشاب المناضل هاشم السلمان، ومحاولة اغتيال آخرين، يُثبت أن ثورتنا تقضّ مضاجعهم، وأن طيفها يُلاحقهم، وسيستمر ويستمر ويستمر حتّى إسقاطهم.
كونوا دائماً مستعدّين، متأهّبين، إن ثورة أرزٍ جديدة بانتظاركم، مع كلّ إشراقة شمسٍ، وأنتم الصخرة التي يُبنى عليها لبنان الجديد من جديد”.
وتوجه الى “صديقي سعد الحريري” قائلاً: “مسؤولية كبيرة أن أدعوك للعودة، لكني قطعاً لن أدعوك للبقاء حيث انت، لأن لبنان ورفاقك في ثورة الأرز اشتاقوا إليك بالفعل. يوماً بعد يوم يزداد رهان اللبنانيين على تحالفنا، لأنّهم يرون فيه إنقاذاً لصيغة لبنان التنوع، لبنان الاعتدال، لبنان الحرية، لبنان التناغم مع عالمه العربي والمجتمع الدولي. إن ما جمعته الحرية والنضال في سبيل هذا اللبنان، لن تقوى على تفريقه لا مسافات جغرافية ولا محاولات إرهابية”.
ولفت الى أن “شباب سوريا ومصر واليمن وتونس وليبيا هم تكفيريون بالقدر نفسه الذي كان فيه شباب لبنان وشاباته تكفيريين عندما انطلقوا في ربيع بيروت. أن تُطالب بالحرية والمساواة والعدالة، فأنت بالنسبة الى الأنظمة الديكتاتورية تكفيري، سواء كنت مسلماً، بوذياً، هندوسياً، أو مسيحياً. أمّا إذا كنت تُهلل وتُصفّق للديكتاتور فأنت بالنسبة إليه علماني، وطني، تقدّمي، لا طائفي، سواء كنت من جماعة القاعدة أم من أنصار حزب الله”، مشدداً على أنه “رغم المآسي والصعوبات والعراقيل والأثمان كلّها، نحن متمسّكون بالربيع العربي أكثر من أي وقتٍ مضى، لأننا متحسسون آلام الشعوب الثائرة، ومتفهّمون لقضايا الحرية والعدالة والمساواة التي يناضل الشباب العربي في سبيلها، بغض النظر عما يشوب هذا النضال من شوائب”.
ونبّه على أن “الأنظمة الديكتاتورية تريد أن تضعنا بين خيارٍ من اثنين: إمّا تكفيرية دينية، أو تكفيريةٌ دكتاتورية بغلافٍ علماني. ونحن ضد الاثنين معاً. فالسوط الطالباني والجزمة البعثية وجهان لعملةٍ تدميرية رجعية واحدة”.
وأعرب عن تعاطفه تجاه تضحيات الشعب السوري “الذي ما فتئ منذ سنتين ونصف السنة يصارع بشجاعة فائقة أعتى طرق الإرهاب والترهيب والقتل والتدمير وصولاً إلى الخنق والموت البطيء الجماعي بالأسلحة الكيماوية”، آملاً في أن تكون “نتائج هذه الثورة على قدر تضحيات شعبها؛ دولة سورية مدنية ديموقراطية تعددية، تعيد سوريا مشعلاً للثقافة والحضارة في هذه المنطقة، بعد أن حوّلها النظام الحالي الى مصدر للموبئات والإرهاب والتطرف”.
وأبدى تقديره لـ”الدور الذي تلعبه في هذه المرحلة المصيرية المملكة العربية السعودية ودول الخليج في تحمّل مسؤولياتها تجاه شعوب المنطقة ككل، وما يتميّز به هذا الدور من اعتدال في مواجهة كلّ تطرّفٍ، مثل الدور الذي لعبته دوماً تجاه لبنان، فكانت السند والعضد لقيام الدولة، والداعم للاستقرار فيه، وصديقة رجال استقلاله الكبار من الرئيس كميل شمعون، مروراً بالرئيس بشير الجميّل الى الرئيس رفيق الحريري، وحتى يومنا هذا”.
وخاطب المسيحيين المشرقيين بقوله: “نحن نقدّر تماماً حجم الأهوال والمآسي التي تعانون، وحجم التضحيات التي تبذلون، نحن نقدر معاناتكم. حتّى رعاتكم وأباؤكم يخطفون، ولا يسعني في هذه المناسبة سوى إطلاق صرخة جديدة لفك أسر المطرانين بولس اليازجي ويوحنا ابراهيم والكهنة المخطوفين. ولكن على الرغم من كل ذلك اصمدوا في دياركم وأوطانكم. إن العواصف مهما اشتدت وتعاظمت، لن تستطيع اقتلاعكم من أرضكم إلاّ إذا ضعفتم. أن تعيشوا على هامش الثورات فذلك يعني أن تُصبحوا خارج كل المعادلات. إن رسالتكم الحضارية والإنسانية والتاريخية والوطنية تُحتّم عليكم اليوم الانخراط في معركة الدفاع عن قضية الحرية والإنسان في هذا الشرق على الرغم من كل الفوضى التي تعم صفوف الثورة. إن حمايتكم الفعلية لا تؤمّنها أنظمة مفلسة فقدت كل شيء إلا سمعتها السوداء، وإنما اعتمادكم على أنفسكم، وحمل قضايا مجتمعاتكم جنباً الى جنب مع اخوتكم في المواطنية. لا تكونوا شهود زورٍ أو حتى مُتفرّجين على ما يُرتكب بحق الحرية والإنسان، إن المتفرّج شيطانٌ أخرس سرعان ما يلفظه التاريخ”.
وتوجه الى “الإخوة في التيار الوطني الحر” قائلاً: “ليست نهاية العالم أن نكتشف عدم صوابية خياراتنا، بل نهاية العالم أن نستمر بها ولو عن غير قناعة. عودوا الى حقيقتكم: تيار وطني سيادي حر، ولا تكملوا بعكس التيار.
إن مكانكم الطبيعي هو بجانب الدولة الفعلية السيّدة الحرة المستقلة الخالية من أي سلاحٍ غير شرعي، وليس بجانب من يُقوّضها. كونوا حُرّاس ثورة الأرز، بدلاً من أن تكونوا أنصاراً لحراس الثورة الإيرانية. اتركوا الكيماوي لأهل الكيماوي، وعودوا أنتم الى البرتقالي. أخرجوا من 7 أيار وعودوا الى 7 آب. عودوا الى دفء 7 آب، بدل البقاء في برد 6 شباط”.
وختم: “إن القوات اليوم بألف خير، منظّمة، متراصّة، تعمل كخليّة نحل تحضيراً لمستقبل أفضل. لقد أنجزت نظاماً داخلياً متطوراً يُلاقي ربيع الحرية في لبنان والمنطقة، وتحوّلت حزباً عصرياً رائداً. وها هي تستقبل اليوم آلاف المنتسبين، فكونوا أنتم أيضاً منهم. مهما كان نوع التطورات المتسارعة وحجمها، ومهما كانت التحديات المستجدة والأحداث المرتقبة، ومهما كانت التفجيرات مؤلمة، في الرويس وطرابلس العزيزة. ومهما كان حجم التخويف والترهيب كبيراً، أبقوا صامدين، وكونوا واثقين. أبطالاً كنّا، وأبطالاً على العهد نبقى”.