أمّا عن التركة الثقيلة، فهي المتأتية أساساً من عدم قابلية الترويج لنموذج “الاحتلال التحريري” الأميركي للعراق كعلاج نافع للاستبداد والإرهاب في العالم الثالث، الأمر الذي أدى من ثم إلى انتشاء الاستبداد والإرهاب مجدداً.
أما عن التصوّرات التي تكتسب راهنية، فهي التي تقول بعدم كفاية ترك الأمور لنضال الشعوب الرازحة تحت أنظمة الاستبداد والطغيان لوحدها كي تحرّر نفسها بنفسها. فهناك بلدان كالعراق وسوريا يرث فيها النظام الديكتاتوري “الوطني – الفئوي” الآليات الاستعمارية ضد الشعب الذي يقمعه، ويقسّمه إلى معازل منفصلة عن بعضها البعض، ويحرّم عليه التعددية الثقافية أو الإقليمية أو الدينية أو القومية في الوقت نفسه باسم فضائل الانصهار ومثالات الدولة المركزية. وفي هذه البلدان فإنّ التحوّل الديموقراطيّ لا يمكنه أن يستند لا إلى تجربة تحديثية تنموية ناجحة أمّنها الاستبداد، ولا إلى حركة وطنية جامعة شكّلها النضال ضد هذا الاستبداد من بعد الاستعمار. وبالتالي، فهي بلدان، إذ يستخدم النظام فيها تقنيات المستعمر، ويتعامل مع السكان كاستعمار داخلي لهم، فإنه يفرّغ مبدأي “حق تقرير المصير للشعب” و”حق كل بلد في اختيار نظام الحكم الذي يرتأيه”، حين يصيران حقاً للطاغية في التنكيل الدامي بجزء يزيد أو ينقص من أبناء هذا الشعب.
وإذا كان الربيع العربي في سنته الأولى أظهر مشهدية انتفاضية لا تحتاج لتصدير الديموقراطية إليها بالدبابات، إلا أن الكارثة الدموية السورية أظهرت كذلك الأمر المصير الذي يهدّد شعوباً كثيرة أخرى في عالم اليوم لو أنّ ثقافة “حقوق الإنسان” العالمية وما يستتبعها من “حق تدخّل إنساني” انهارت بشكل حاد، ومن دون بدائل، في عالم اليوم.
فإذا كانت جسامة الفشل الأميركي في العراق أنه يضرب بشكل عميق فكرة إسقاط الأنظمة الاستبدادية بالتدخل الأمبراطوري التعسفي من الخارج، فإن خطورة الوضع السوري أنه يؤسس لسابقة كارثية من المخيف، لكن الواقعي تماماً، أن تتعمّم في بلدان أخرى خارج النادي المغلق للحضارة الغربية.
من هنا، إذا كانت كل فلسفة باراك أوباما الانتخابية ضد جان ماكين هي عثرة أميركا في حرب العراق، ونقد تفرّدها الذي استنزفها، فإن الوضع السوري يعود ويعطي حيثية لذلك الموقف المحافظ الجديد الداعي إلى تخطي المنظمة الدولية.
عندما شنّ بوش الابن حرب احتلال العراق لم يكن ثمة أي استحقاق يستدعي تلك العجلة على مستوى نظام صدام حسين. فالاجتياح الأميركي ـ البريطاني تمّ بعد انقضاء سنوات عديدة على ارتسام خطوط الحظر الجوي الشمالية والجنوبية، ولم تكن هناك وقتها انتفاضة ثوروية ومسلّحة ضد النظام. لم يقتنع كثيرون بصحّة التعليل الأميركي للحرب (برامج أسلحة الدمار الشامل العراقية)، وهذا ما دفع الولايات المتحدة للتفرّد… مع بريطانيا.
أمّا الآن، فالتفرّد الذي وجد أوباما أن سلفه كان في غنى عنه في العراق، فهو الآن شبح يطارده في المسألة السورية. فهذه المسألة لا حل لها بعرفه، في أروقة المنظمة الدولية، لا قبل ولا بعد استخدام الكيماوي، وإن كان هذا الاستخدام لحظة نوعية خطيرة.
من جهة، يستعيد باراك أوباما نفس منطق جورج بوش الابن (تدخل عسكري “إنساني”، من دون تغطية أممية)، ومن جهة ثانية يحاول أن يتبرأ من هكذا وجه. لكنه في مسعاه هذا، وحين يطلب مشورة الكونغرس، فإن ما يفعله هو في جزء أساسي إعادة الاعتبار لرهانات المحافظين الجدد.
فسوريا سابقة خطيرة في عالم ترنّحت فيه الديموقراطية كثيراً في السنوات الماضية. والأخطر أن عطل المنظمة الدولية يتضاعف. فمن مشكلات العالم أن نظامه الدولي كما صنعه الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية، لم يتبدّل في نهاية الحرب الباردة، الأمر الذي سينعكس سلباً على القوة الغانمة لتلك الحرب: أميركا.
وسط كل هذا، عبثاً يحاول باراك أوباما القول إن تصوره عن التدخل الدولي اليوم هو نفسه وقت انتخابه لأول مرة. لا، ثمة إعادة اعتبار ولو ضمنية لمنطق جورج دابليو بوش، وثمة في الوقت نفسه اهتمام حسيس بغسل اليدين من ذلك. في الحالتين، يحاصر شبح بوش الابن أوباما: مرة حين ينوي على الفعل المنفرد، ومرة حين يستشير الكونغرس الذي على يمينه.
مع ذلك، لا ينبغي المكابرة على مشكلة أساسية وقع بها أوباما. وهي أنّه خاطر بتوتير الجو الدولي لأيام ثم برّده، وهذا في الحرب الباردة يذكر نوعاً ما بإحجام نيكيتا خروتشيف من بعد تصعيده في المسألة الكوبية، ما شكّلت منعطفاً نحو خسارة السوفيات للحرب الباردة.
لكن هذا الخطأ الذي وقع فيه أوباما سيتكفّل النظام السوري بتصحيحه بمجرّد أن يعتبر تمديد لحظة الضربة بمثابة إشعار له بأن اقتل المزيد ثم المزيد.