ليس سهلا ان تكتب عن شهيد، والصعوبة والرهبة تكبران عندما يتجاوز عدد الشهداء الخمسة عشر الف شهيد، عندها لا ترى امامك على الورق سوى صورة بحر من الدماء تتغلغل عميقا في تراب لبنان، تختلط مع الينابيع والانهر تروي الشجر والبشر، تحكي مع كل حبة تراب، مع كل جذع وغصن، مع كل ريح تهب، ونسمة تسري، حكايا البطولة، والكرم في الاستشهاد والتصميم على العطاء والبذل، ليبقى لبنان سيدا عزيزا كريما منيعا، ويبقى اللبنانيون احرارا مستقلين، مرفوعي الرأس وموفوري الكرامة.
لوائح اسماء الشهداء التي ترفع في ذكرى تكريمهم والصلاة لراحة انفسهم ليست من الصور التي يمكن ان تغيب عن الذاكرة، فهي هناك تعيش ابدا في وجدان اهلهم، ووعي رفاقهم، وضمير قائدهم ورئيسهم، وهي العلامة والطريق والهدف التي بدأت مع الجدود الاوائل، وتناقلتها الاجيال، جيل يسلم جيلا، الامانة حتى انتهاء الدهر وقيام الساعة.
الاول من ايلول، لم يعد بالنسبة الى سمير جعجع والى القواتيين، والى شريحة كبيرة جدا من اللبنانيين يوما عاديا كباقي ايام السنة، انه يوم مميز في تاريخ لبنان المقاوم، انه يوم يلتقي فيه الشهداء اهلهم واصدقاءهم ورفاقهم، يتذكرون ايام نضالاتهم ومقاومتهم، ويذكّرون العالم ان الاستشهاد في سبيل الوطن حياة للوطن وحماية من جهة، وحياة جديدة للشهداء، ملؤها العزة والشرف والتضحية والفخر خصوصا عندما يسمعون رفاقهم يهتفون، «الشهداء احياء فينا».
ان تصميم حزب القوات اللبنانية، على الصلاة جماعة في اول ايلول من كل سنة، مهما كانت الظروف، لراحة انفس شهدائهم وتكريم شهادتهم دليل على عمق ما يجمع بين القيادة والقاعدة، واكثر من هذا، رسالة الى جميع اللبنانيين، ان حماية الوطن والدولة والاستقلال والسيادة والحرية، لا تكون بالتمني، بل بالنضال والمقاومة والاستشهاد اذا لزم الامر وان فضل الشهداء كبير في هذا المجال، ويجب الا يغيب عن وعي وذاكرة احد، وخصوصا لدى اولئك الذين ينعمون اليوم بالحياة والحرية على ارض الوطن وينسون ان الفضل بذلك يعود الى شهداء المقاومة اللبنانية الذين منعوا بدمائهم جعل لبنان وطنا بديلا لشعب دون وطن.
* * *
اذا اردنا ان نقول كلمة الحق بموضوعية وشجاعة لا ضير في القول ان شهداء المقاومة اللبنانية سقطوا للدفاع عن لبنان، كل لبنان، وعن شعبه، كل شعبه، فهم لم يقاتلوا ويستشهدوا من اجل ان يكون لبنان دولة مسيحية، ولا دولة للاقليات، ولا دولة لمذهب، بل هم قاتلوا واستشهدوا، ليعيشوا بحرية وكرامة مع الدرزي والشيعي والسني والعلوي، على مر مئات السنين، وعيشهم المشترك في مختلف المناطق اللبنانية مع ابناء هذه المذاهب خير دليل على انفتاحهم على الآخر وقبول الاخر، والعمل يدا بيد مع الاخر لبناء حياة لبنانية كريمة صافية لا تتدخل فيها اطماع وطموحات الغرباء، القريبين منهم والبعيدين، ولم تضرب هذه الحياة المشتركة الا عندما قرر بعض من في الداخل ان يقدم الغريب على شريكه منذ القدم، وقد تأكد لهذا البعض، ولو متأخرا، انه كان على خطأ في ما ذهب اليه، وان القوات اللبنانية بقادتها ومقاوميها وشهدائها كانوا على حق، وان تقديمهم قوافل من الشهداء كان في سبيل قيام الدولة القوية الشجاعة العادلة، فاستحقوا ان يكونوا شهداء الوطن مثلهم مثل اي جندي او ضابط، وليسوا شهداء طائفة او مذهب او حـزب.
امس كانت معراب تعبق برائحة الشهادة، ومثلما ان الشهداء هم من كل لبنان وجميع الطوائف، كذلك كان الحضور، والفضل كل الفضل لهؤلاء الشهداء، ولرفاقهم، رئيسا وقياديين، على امل ان يجتمع لبنان يوما على تكريم جميع شهدائه.
