تأجيل الضربة يعني بالنسبة إلى البعض أن حتميتها صارت احتمالاً، برغم أن خسائر التردد الأميركي أو الإلغاء، ستفوق بأضعاف مضاعفة تلك التي سجّلت في العراق أو في أفغانستان والتي جاء أوباما في الأساس حاملاً برنامجاً للتخفيف منها وتدارك تداعياتها.
في مواجهة يقيس المشاركون فيها كل كلمة ولفتة وخطوة، لن يعني التردّد الأميركي (في القراءة السريعة!) إلا ما يعنيه وسيعنيه مباشرة: فيتنام لم تكن حَدَثاً عابراً في تاريخ الولايات المتحدة! إنما مسار تأكدت حيثياته في أفغانستان أولاً ثم في العراق على نطاق أوسع وأشمل وأكثر أذيّة… “القوة العظمى” في قياسات اليوم هي غيرها في قياسات الأمس. أمس الحرب الباردة تحديداً، بحيث يبدو (في الشكل) أن انهيار أحد طرفيها لم يكن إلا مقدّمة لانهيار الطرف الآخر!
… و”القراءة السياسية السريعة” هذه تقول، إن التطور العلمي والتكنولوجي والعولمة الاقتصادية والتجارية دفعا المناحي المدنية في الغرب أساساً إلى مراتب جديدة. وأنتجا مجتمعات تحكمها آلية السوق ومتطلباته وشروطه، وليس التصنيع العسكري وإفرازاته. وتتحكّم بها فكرة الرفاه باعتبارها هدفاً للحياة وأبرز أسرارها، وليس فكرة القتال والصدام والمواجهة المسلحة… القادة الفعليون للغرب وصنوه الشرقي المتطور (مثل اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة إلخ…) هم أهل السينما والغناء والرياضة والأزياء والوسطاء الماليين والشركات العابرة للحدود وروّاد صناعة الاتصالات بكل أشكالها، قبل أن يكونوا رؤساء الجمهوريات والحكومات ووزراء الخارجية والدفاع وقادة الأحزاب السياسية، وأبرز “نتائج” ذلك الحراك التطوري الهادر هو وصول الاحترام للحياة البشرية الفردية إلى حدود غير مسبوقة في التاريخ.
والمفارقة أن تلك هي علامات تفوّق أخلاقي متمّم للتفوق العلمي والتقني والاقتصادي، لكنها هي ذاتها في مواجهة “الضدّ”، تصبح علامات ضعف قاتلة… سبق أن راهن حافظ الأسد في معركته ضد “نيوجرسي” و”المارينز” الأميركيين في بيروت في العام 1983 على ذلك البعد البشري تحديداً: قال ما معناه إن أكفان الجنود الأميركيين التي سيرسلها إلى واشنطن، ستهزم رونالد ريغان وآلته العسكرية قبل السلاح المقاتل لهم… ونجح في رهانه!
اليوم لا يقول أوباما إنه سيرسل جنوداً على الأرض في سوريا كي لا يقع في المصيدة، لكن تردّده ينطلق من ذلك البعد التراكمي للحروب السابقة ذاتها، ومن المناخ الذي أنتجته ثورة الاتصالات وانتهاء الحرب الباردة والعولمة بكل مستوياتها… وهو ذاته المناخ الذي تحكّم ويتحكّم بالأوروبيين ودفعهم ويدفعهم إلى تغيير “عاداتهم” القديمة: بدلاً من إرسال طائرات حربية صاروا يفضّلون إرسال طائرات محمّلة بالسيّاح والبضائع! وبدلاً من الأساطيل العسكرية صاروا يفضّلون سفن المتع والتجارة والمواد الخام! وما يعينهم على ذلك، هو أن عالم اليوم صار برمّته تقريباً، يشبه بعضه بعضاً، فيما استثناءاته آسيوية في مجملها، من كوريا الشمالية إلى سوريا وإيران… إلى إسرائيل بالتأكيد.
… لكن (كبيرة) الخطأ القاتل التي يصرّ على ارتكابه القيّمون على تلك الدول الأربع تحديداً، هو افتراضهم القدرة الدائمة على النشاز! وعلى فرض منطقهم ورؤاهم على غيرهم بالقوة والعنف، وعلى جعل تمايزهم سلبياً في واقع محكوم بالإيجابية، في الاقتصاد والتجارة وحركة الأموال والثقافة والفنون والمصالح… إلخ.
لاعتبارات ذلك التطور في كلّيته، وللعولمة في ذاتها، صار “ممنوعاً” أكثر من السابق تهديد هذا العالم بالإرهاب أو بالممارسات الكيماوية والنووية الآتية من الشمولية الفكرية وتنظيماتها وأنظمتها… وصار من تحصيل الحاصل اعتبار أن “ملاحقة” المرتكبين مسألة “مؤسساتية” دولية قبل أن تكون قراراً رئاسياً أو حكومياً يحتاج الى ردف ودمغ من الكونغرس أو من مجلس العموم!
“التردّد” الأميركي بهذا المعنى تفصيل على هامش الأصل. والأصل هو أن زمن “أنظمة الكيماوي” انتهى مبدئياً وأن الضربة العقابية حتمية… وعلى الطريق نحو إتمام تلك النهاية!