صدر عن مصلحة النقابات في القوات اللبنانية البيان التالي: “كنّا قد اعتدنا سماع بيانات العمّال والموظّفين في تحرّكاتهم ضد أرباب العمل وحلفائهم من شهدت الساحة اللبنانيّة خضّات عدّة لم يكن أوّلها المطالبة بتصحيح الأجور ولم تنته عند سلسلة الرتب والرواتب. لكن أن نشاهد في خندق واحد من وقف دوماً على طرفي نقيض من عمال وأرباب عمل لهو مشهد يستحقّ الوقوف عنده، لا بل يستحق أكثر من مجرد لفت انتباه لأنّه ليس اقلّ من ناقوس خطر أو صّفارة إنذار تدوّي مع وصول الوضع الاقتصاديّ إلى مشارف هاويةٍ قد تدمّر الهيكل فوق رؤوس الجميع.
يقف المواطن اليوم بين خيارين، إذا كان عاملاً فله أن يختار بين البطالة و الهجرة أمّا أصحاب العمل فهم أمام قرارات مصيريّة فإمّا خسارةٌ تامّة لكلّ ممتلكاتهم و مصالحهم أو تدارك الأمور ونقل استثماراتهم إلى أسواق فتيّة تنبت هنا و هناك و أمام كلّ الخيارات السابق ذكرها يبقى مصير البلد والمجتمع السقوط والإفلاس من رأس الهرم إلى أسفل القاعدة.
كلّ هذا والدولة عاجزة وأهل الحكم في إجازة والمؤسّسات تفرغ الواحدة تلو الأخرى حتّى أضحت حياة المواطن نفسها في مرحلة تصريف أعمال.
إنّ التحرّك الذي دعت إليه الهيئات الاقتصادية الاربعاء، لا بدّ أن يكون صرخة مدوّية تتجاوز حالة الخنوع لتصعق ضمائر المؤتمنين على مقدّرات البلاد علّهم يستفيقون من سباتهم الإراديّ. فإقفال المؤسّسات يوماً واحداً لن يفاقم حالة الشلّل الحاصل فالاقتصاد يقترب شيئاً فشيء من الموت السريريّ تحت وطأة الضربات المتتالية.
لا يختلف اثنان أنّ الحالة الإقليميّة المتفجّرة لها تأثير كبير على الوضع الاقتصادي في لبنان، لكن لا مبرّر لبقاء البلاد دون إدارة فاعلة تعنى أقلّه بتسيير شؤون المواطنين اليوميّة. فبعد تأجيل الانتخابات النيابيّة واستقالة الحكومة تبرز الحاجة إلى إدراك الهوّة العميقة التي تفصل بين معاناة المواطن و إدراك المسؤّولين. إنّ ردم هذه الهوّة يتجاوز سياسات النأي بالنفس عن الأزمات الإقليميّة، التي تحوّلت إلى نأي بالنفس عن كلّ شيءٍ سوى تلك الأزمات.
ركود اقتصاديّ، غياب تامٌّ للسياحة، مشاكل النازحين التي تولّد بدورها منافسة على لقمة عيش اللبنانيّين. كلّها مخاطر دقّت أبواب أرباب العمل قبل العمّال ليقفوا سويّاً في مواجهة هذا الواقع المتدهور.
من المؤكّد أنّ أيّ حكومة في لبنان لن تكون لاعباً أساسيّاً في رسم مسار التحوّلات العربيّة لكن من المقطوع أيضاً أن البلد في أمسّ الحاجة إلى حكومةٍ عملانيّةٍ تعنى بهموم شعبها فتعالج المشاكل بمنطق المؤتمن على البلد لا باعتماد التسويف و التأجيل مخرجاً لكّل معضلة. إن مسؤوليّة المعنيين تنطلق من مبدأ الحفاظ على ما تبقّى من قدرة اقتصاديّة و العمل على تدعيمها و زيادتها عبر حكومة تتناسى السياسة دون التنكّر لها فتنصرف للنّظر في سبل علاج الشلل الّذي يضرب مفاصل الدورة الاقتصاديّة و عجلاتها. لكن تبقى الأحلام أحلاماً طالما لم يشعر المسؤولون في لبنان أنّ انهيار الاقتصاد يعني هجرة الطاقة العاملة و الرساميل معاً، هذه الطاقة العاملة نفسها التي وصلت إلى حد نكران الانتماء إلى الكيان اللبناني في سبيل تأمين لقمة العيش.
آن للبنان أن يحظى بحكومة تعامل المواطن معاملة إنسانٍ حرٍّ، كريمٍ، عاملاً كان أم ربّ عمل. آن للبنان أن ينعم بحكومة لا تنأى بنفسها عن معاناته لصالح أزمات لن تستورد لبلدنا سوى المزيد من التشرذم و تأجيج الصراعات البائدة. آن لبلدنا أن لا تبقى الاتفاقات و التفاهمات مجرّد حبرٍ على ورق فتصبح شرعةً تنير درب العمل العام بدءاً من اتفاق الطائف وصولاً إلى إعلان بعبدا مروراً بمقرّرات الحوار الوطنيّ.
إن مصلحة النقابات في القوّات اللبنانيّة إذ تشدّ على يد الهيئات الاقتصاديّة وتقف شريكاً أساسيّاً في هذا التحرّك تدعو المعنيّين إلى أن يتحمّل كلٌّ مسؤوليّة الوكالة التي منحه إياها الشعب، فننتشل شبابنا من براثن الجوع و التطرّف و السلاح إلى ميادين عملٍ مثمرةٍ تشعرهم مرّةً جديدة بالمواطنيّة الكريمة فتعيدهم إلى تحمّل مسؤوليّاتهم الوطنيّة تجاه بلدهم و مجتمعهم. كذلك تدعو المصلحة كلّ الشركاء و رفاق الدرب في هذه المسيرة إلى تكثيف الجهود لتصل صرخة وجع المواطن إلى كلّ من بإمكانه التأثير في مسار الأزمة لنصل ببلدنا إلى برّ الأمان الاقتصاديّ الذي إذا عُدِمناه عُدِمنا الحريّة والحياة”.