أين أخطأ أوباما قبل التهديد بالضربة وبعده؟
نتائج التفتيش الدولي تحتّم خيارين
تعتبر مصادر ديبلوماسية في بيروت ان واقع الامور نتيجة التحضيرات الاعلامية والنفسية لضربة عسكرية اميركية ضد مواقع النظام السوري ردا على استخدامه الاسلحة الكيماوية ضد شعبه تطور على نحو خطير من واقع ان صدقية الرئيس الاميركي باراك اوباما كانت على المحك باعتباره هو من رسم خطا احمر لاستخدام النظام السوري اسلحة كيميائية تخطاه هذا الاخير، الى ان تضحي صدقية الولايات المتحدة في المنطقة وحتى في العالم على المحك وليس فقط صدقية رئيسها. فقد يكون الرئيس الاميركي غير الراغب في استراتيجيته للحكم في اي حرب جديدة اخطأ في رسم خط احمر حول استخدام الكيميائي لم يعتقد ان النظام السوري قد يتخطاه. كما انه قد يكون اخطأ في الاعلان عن ضربة عسكرية ولو محدودة ينوي توجيهها ضد مواقع النظام حرصا على صدقيته وانقاذا لماء وجهه كزعيم اهم دولة وجرى الاستخفاف بالخط الاحمر الذي رسمه. الا انه وبعد تراجعه ساعيا الى موافقة الكونغرس، فإن صدقية الولايات المتحدة ككل وهيبتها باتتا في الميزان. لكن المسألة باتت تتصل بدفاع الولايات المتحدة عن صورتها في المنطقة وصورة الغرب ككل معها الذي بات متصلا او متأثرا بما تقرره الولايات المتحدة الى حد بعيد لكنه ليس داعما فحسب لما قدمته الولايات المتحدة من عناصر جازمة في استخدام النظام السوري للاسلحة الكيماوية بل هو صاحب “قضية” ايضا في هذا الاطار بحيث بات يتعين عليه ان يساعد اوباما للخروج من هذه الازمة واخراج نفسه معه. وترى هذه المصادر ان مسؤولية الغرب تتمثل في حتمية العمل على بناء قضية مسندة تؤمن الغطاء لضربة عسكرية تساعد الرئيس الاميركي امام الكونغرس او في حال تلكأ هذا الاخير عن توفير هذا الغطاء الداخلي للرئيس الاميركي. وادرجت المصادر في هذا الاطار موقف الامين العام للحلف الاطلسي اندرس فوغ راسموسن الذي اعلن الاثنين “ان ادلة كثيرة توافرت عن استخدام النظام السوري للاسلحة الكيميائية” مشددا على “وجوب ان يرد المجتمع الدولي على الهجوم الكيميائي” علما ان الناتو كان تحفظ عن المشاركة بعمل عسكري ضد النظام، وكذلك موقف فرنسا التي اكدت بدورها هذا الاستخدام للاسلحة من جانب النظام واعتبارها “ان امن فرنسا والعالم” مهددين بفعل ذلك.
وتبعا لذلك، فإن هذه المصادر لا ترى الوضع السوري على ما كان عليه قبل الضربة العسكرية مماثلا لما هو عليه من دون حصولها اقله حتى اشعار اخر في المقاربة الدولية علما ان الرهانات على مفاعيل لضربة محدودة ووفق ما وصفها الرئيس الاميركي لم تكن كبيرة على اي حال وربما كانت ستأتي بنتائج عكسية وفق ما ابرزت مواقف ومعطيات عدة خصوصا انها لم تكن تهدف الى انهاء الرئيس السوري اواخراجه من المعادلة السياسية السورية. لكن الامور وصلت الى حد تصعب من المتابعة كما لو ان شيئا لم يحصل او لم يكن علما ان بعض المراقبين لا يرون المسألة وتطوراتها اكثر من محطة خطيرة اخرى من محطات الازمة السورية انما بدرجة خطورة وحساسية اكبر نتيجة تطور الموقفين الروسي والايراني من هذه المحطة على غير ما ظهرا في صدمتهما الاولى بعد اظهار الولايات المتحدة عزمها على توجيه ضربة عسكرية ضد النظام السوري. وقد لفت هؤلاء اظهار احد المسؤولين الروس نهاية الاسبوع الماضي تشكيكا مسبقا بنتائج عمل المفتشين الدوليين الذين كانوا أنهوا عملهم في سوريا وغادروها الى لاهاي مما يفيد باستكمال فصول الصراع على سوريا ايا تكن عناصره على قاعدة ان اي توافق في النظرة الروسية والاميركية الى الحل السوري لم تتوافر ظروفه بعد.
لكن بالنسبة الى المصادر المعنية يتعين اولا مراقبة اذا كان النظام لم يأخذ هذه التهديدات الاميركية على محمل الجد فعلا ويمكن ان يلجأ مجددا الى استخدام الاسلحة الكيميائية كنتيجة لتقويمه ان اوباما فشل في تنفيذ تهديده وانه لن يحصل على التغطية اللازمة لهذا التنفيذ. وتستبعد المصادر المعنية ان لا يكون درس وضع الاميركيين الاصبع على الزناد وافيا حتى الان على هذا الصعيد.
ومن جهة اخرى، ترى هذه المصادر ان المهلة الفاصلة حتى الاسبوع المقبل من اجل مناقشة الكونغرس الضربة العسكرية وفي انتظار ظهور نتائج عمل لجنة المفتشين الدوليين ستكون مفتوحة على احتمالات تحمل مخاطر كبيرة على المستويين العسكري والسياسي على حد سواء . فاذا طابقت نتائج عمل المفتشين المعلومات التي تحدثت عنها واشنطن والدول الغربية فانه يتعين على هذه الاخيرة تحضير ملفها في اتجاهين متوازيين الاول هو رد قوي مختلف عما كان متوقعا لان اي ضربة عسكرية محدودة او هزيلة ستكون في غير محلها ومن دون فائدة تذكر بعد كل ما اصاب صدقية الولايات المتحدة والغرب بحيث تكون الضربة عاملا حاسما في حمل النظام وحلفائه الى حل انتقالي. والاخر هو الحل السياسي الذي يمكن احراج روسيا به على الاخص في ضوء نتائج لجنة المفتشين وبحيث يمكن التمهيد لذلك وفي حال رغبت روسيا العمل فعلا لاطاحة امكانات الضربة العسكرية باثمان سياسية سيكون هذا الاسبوع متاحا عبر قمة العشرين في بطرسبرغ لتلمس احتمالاتها.