لو اتخذت الإدارة الأميركية موقفاً صلباً يوم شنّت الطائرات الشيوعية الصنع غاراتها منذ الصيف الماضي، لكانت الأمور سلكت منحًى آخر، ولما كانت “جبهة النصرة” قد استشرت حالتها، ولا كان “حزب الله” غرق بكليته في النزاع السوري، دافعاً بأساسيات الوجود اللبناني إلى المجهول.
لكن الإدارة الأميركية ليست لا جمعية خيرية ولا مرجعية تحكيمية شرعية في أحوال العالم، ولذا، فهي وضعت التوقيت الذي يعني أمنها القوميَّ، والمتصل باستخدام سلاح دمار شامل من قبل نظام مارق على رؤوس الأشهاد، مع خطورة وقوع مثل هذا السلاح في أيدي “النصرة” أو “حزب الله”. هي جعلت من ذلك خطاً أحمر، وأباحت ما دون ذلك للنظام البعثي. لكنّ نظاماً كهذا، عندما تطلق يده الجوية ضد المدن والقرى السورية، ثم تتظاهر بالاقتراب نسبياً من وجهة نظره في موضوع الإرهاب، فمن العبث حينها عدم توقع لجوئه إلى “المنشطّات البعثية”، أي الغازات السامّة.
لا يعني ذلك أبداً أنّ الولايات المتحدة تختار سبباً واهياً لشنّ ضربة ضد النظام السوري. إذا كانت الأسباب المباشرة للحروب تنقسم بين الواهي والوجيه، فليس هناك ما هو أكثر وجاهة من معاقبة نظام لاستخدامه السلاح الكيماوي سواء في قمع ثورة أو في خوض حرب أهلية. الحالة مختلفة عن احتلال العراق هنا، إذا ما أخذنا معيار الذريعة المباشرة. عام ألفين وثلاثة، لفّقت الإدارة الأميركية الذريعة، ونظّرت لها باسم لاهوت “الحرب العادلة” الأوغسطيني، ونظرية “الحرب الاستباقية”، وملحمية “الحرب العالمية على الإرهاب”، ومثالية “تصدير الديموقراطية”. لكن السبب المباشر بقي واهياً، ومن فئة القيل والقال.
اليوم، الحالة تختلف تماماً. هناك سبب مباشر وجيه.
لكن السبب المباشر الوجيه ليس كافياً لوحده، ولأجل ذلك لا ينفع المسلك التهليلي للضربة، فضلاً عن أنه موقف يسلّف خصمه الممانع ورقة مزايدة وطنية وقومية ليس من الضرورة تسليفه إياها، حتى لو قلنا في آخر الأمر ليبلّها ويشرب ماءها.
فمن جهة، ينبغي عدم تضييع الاختلاف الأساسي بين الخط الأحمر الذي اختاره أوباما وبين الخط الأحمر الذي كان يفترض في هذه الحالة كمعيار دولي حازم: رفض استخدام سلاح الطيران في قمع ثورة داخلية أو في إطار حرب أهلية.
ومن جهة ثانية، المواقف “الوجودية” و”الوجدانية” حيال الضربة العتيدة مضيعة للوقت. الأهم منها التحوّط للتداعيات. فالسؤال هو، هل إنّ أهل الثورة في سوريا، ومشروع الاستقلال الثاني في لبنان، متحوطون كفاية لمرحلة سقوط النظام البعثي؟ كيف السبيل بالدرجة الأولى الى كف اليد الشريرة لهذا النظام في أسابيعه الأخيرة إذا ما تلقى الضربة، بدلاً من أن يجعل هكذا ضربة مناسبة لارتكاب مجازر نوعية شاملة لإجبار العالم على تقسيم سوريا؟ كيف السبيل للحؤول دون جعل الضربة لحظة تحرّك لـ”حزب الله” لمحاولة تسجيل نقاط ميدانية في الداخل اللبناني؟ كيف السبيل للحؤول دون استفادة المجموعات الأكثر تشدّداً في سوريا من الضربة على حساب المجموعات الأقرب الى التلاحم مع الأهالي؟
ليسَ صحيحاً أبداً، لا في عزّ الاستعمار الأوروبي ولا اليوم، أنّ التضامن مع المستبدّين الطغاة الشرقيين هو الموقف الوطني حين يتعرّض أحدهم لضربة أجنبية. ليس صحيحاً كذلك العكس. المعايير المثالية لا تستقيم في هذا المجال. الأولوية للمعايير النفعية شرط عدم تذويبها في عدمية وطنية من نوع التهليل للضربة الأجنبية، أو من نوع استسهال المقارنة مع الإنزال الأميركي في النورماندي إبان تحرير فرنسا. لا، ثمة فارق كولونيالي بين سوريا والغرب لا يجوز تضييعه، هذا إذا أردنا إعادة بناء سوريا كوطن.
فقبل كلّ شيء، لا وقت للتهليل، ولا للنكد والغمّ. تداعيات سقوط النظام السوري أكثر من خطيرة، وهذه التداعيات التي جعلت العالم يتردّد كثيراً حتى اليوم في إسقاطه، قد آن للسوريين واللبنانيين في مواجهة نظام النتانة المطلقة، أن يتصدّوا لها منذ اليوم.