#adsense

زمنُ الكبار… انتهى

حجم الخط
التحضيرات للضربة الغربية العسكرية على النظام السوري سلّطت الضوء على مسألتين أساسيتين:

الأولى، غياب القادة الكبار الذين يملكون جرأة اتخاذ القرار دون العودة إلى أحد، أو مشورة أحد، أو الخشية من محاسبة أحد. غياب القادة الذين لديهم كامل الثقة بأنفسهم وقدرتهم على قيادة شعوبعم وشعوب العالم، وتحويل أيّ قرار يتخذونه إلى قرار شعبي. غياب القادة الذي يؤمنون بأنّ ما يقومون به يدخل في صلب مهامّهم الوطنية ومسؤولياتهم الدستورية وواجباتهم القيادية. غياب القادة الذين يُبَدّون المصلحة العليا على المصلحة الخاصة. غياب القادة الذين لا يأخذون في الاعتبار مدى شعبية أيّ قرار يتخذونه. غياب القادة الذين طموحهم يتجاوز حدود أوطانهم ليس بالمعنى السلبي للكلمة، أي التدخّلي والاحتلالي، إنّما بالمعنى الإيجابي برفع الظلم عن شعوب العالم، والحرص على تطبيق مندرجات ميثاق الأمم المتحدة والشرعة العالمية لحقوق الانسان. غياب القادة الذين يطمحون لدخول التاريخ لا دخول السلطة. غياب القادة الذين همّهم قيادة العالم نحو الأفضل، ويؤمنون بقضية انسانية كونية أبعد من موقع ومركز وسلطة.

فالدساتير في معظم الدول الغربية الديموقراطية، وأقلّه في الولايات المتحدة وفرنسا، تعطي الرئيس، في حالات محددة، الحق في الذهاب إلى الحرب دون العودة إلى الأطر والمؤسّسات الدستورية، وهذا الحق لم يقرّ بالصدفة، إنما أعطي لمنح الرئيس مسؤولية تقدير المصلحة العليا واتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، هذا القرار الذي يتطلب أحيانا تحرّكاً فورياً، وبالتالي تجنّب الدخول في متاهة النقاشات التي تبدأ ولا تنتهي. وبعد اتخاذ القرار وترجمته يخضع صاحبه للمحاسبة والمساءلة، وهذا النوع من الأنظمة يشجّع الرئيس على المبادرة وممارسة الدور القيادي.

المسألة الثانية، غياب الحس الانساني والتضامن البديهي لأيّ مواطن في أيّ بقعة على هذه الأرض مع الآخر، خصوصاً أنّ ثورة الاتصالات جعلت أيّ قضية في أي دولة، تهزّ العالم بأسره الذي أصبح فعلاً قرية كونية، وبالتالي هذا التجاهل لما يحصل في سوريا قبل الكيماوي وبعده غير مفهوم وغير مبرّر على الإطلاق، على رغم أنه يمكن إحالته إلى مجموعة عوامل تختصر بأربعة أساسية:

1 – سوريا تدفع ثمن العراق، حيث إنّ فكرة التدخل الخارجي أصبحت غير شعبية بعد الحرب العراقية، ولا يبدو أنّ أحداً في وارد دفع تكلفة حرب مماثلة، ومن هنا حرص الرؤساء على عدم القيام بدعسة ناقصة، وتأمين شرعية لخطوتهم حتى لو لم يكونوا بحاجة إليها.

2 – الأزمات الاقتصادية جعلت كل دول العالم تنكفئ إلى داخل حدودها الجغرافية لتَبدِية السياسات المحلية على الخارجية. فالأولوية أصبحت لمعالجة المشاكل التي تتخبّط فيها هذه المجتمعات، وليس لاعتماد توجّهات توسّعية.

3 – المخاوف من ردّات الفعل الإرهابية، حيث إنّ تجنبها، بالنسبة لفئة واسعة من الشعوب الغربية، يكون بالابتعاد عن سياسة التدخّل، وغضّ النظر عن كل ما يحصل، فيما مواجهة الإرهاب تبدأ فعلياً في عقر داره وعبر تصحيح السياسات الدولية الخارجية بدءاً بالسلام الفلسطيني-الإسرائيلي.

4 – الخشية من توسّع الحرب السورية إلى حرب إقليمية وحتى دولية، خصوصاً أنّ القضية أكبر من سوريا والنظام السوري، وتتصل مباشرة بإيران وملفّها النووي ودورها الإقليمي.

5 – البروبغندا التي يقوم بها اليسار العالمي لصالح الرئيس السوري والتي تتقاطع مع موجة التطرّف اليميني العالمي التي تركّز على حقوق الأقليات وتعمل على تشويه الحقائق وتضخيم الوقائع.

ولكن على رغم ما تقدّم، لا شيء يبرّر التقاعس الدولي والمخاوف الشعبية، لأنّ المطروح قصف جوّي لا اجتياح عسكري، فضلاً عن أنّ عدم استئصال الإرهاب من جذوره من خلال مواجهته ومعالجة مسبّباته يجعل كل العالم تحت رحمة هذا الإرهاب. كما أنّ ردّ الفعل الأميركي على هجمات 11 أيلول، التي يفصلنا عنها أسبوع، في أفغانستان والعراق أدى إلى إبعاد الإرهاب عن الولايات المتحدة، وجعل ساحته المركزية في الشرق الأوسط كمقدمة لمحاصرته والقضاء عليه.

وعلى رغم حتمية الضربة العسكرية للنظام السوري أيضاً، وللأسباب المعلومة المتصلة بهيبة الرئيس الأميركي ودور الولايات المتحدة على المسرح العالمي وإدراكها أنّ تحصين الأمن القومي الأميركي يبدأ بمعالجة أسباب الإرهاب، ووضع الضوابط للقوى الإقليمية من قبيل منع إيران من امتلاك السلاح النووي، كما منع توسّع الحرب السورية إلى حرب إقليمية ومصلحة واشنطن في إنهاء هذا النزاع، وبالتالي على رغم الأسباب المقدّمة أعلاه والمتصلة بحاجة الغرب والقوى العظمى للتدخّل في مفاصل أساسية تتعلّق بمصالحها الذاتية المرتبطة بأمنها، يجب على الشعوب العربية ودولها البدء بالتفكير والتخطيط والتنفيذ في كيفية توفير التوازن الإقليمي مع المحور الآخر من دون الاتكاء على الغرب.

فمن الواضح أنّ ما حصل في الأزمة السورية مرشّح أن يتكرّر مع أيّ أزمة أخرى، ومن الواضح أنّ الانكفاء الدولي مرشّح أن يستمر، ومن الواضح أنّ اهتمامات الشعوب الغربية بأولوياتها الداخلية مرشّح أن يتضاعف، وبالتالي حيال هذه الوقائع المستجدة بات من المُلح تأمين مستلزمات المواجهة الذاتية بمعزل عن المجتمع الدولي، وإلّا فالأمور تتّجه حكماً نحو وضع اليد الإيرانية على المنطقة العربية.

فالانكفاء الدولي دفع وسيدفع شعوب منطقة الشرق الأوسط وحدها ثمنه، والحل الوحيد لمنع مصادرة قرارات دول المنطقة واستخدام ساحاتها يكمن في إقامة توازن رعب إقليمي، هذا التوازن الذي بدأت السعودية بتأمينه عبر سياساتها في مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، ويجب استكماله بمزيد من توحيد الجهود والتعاون والتنسيق، ووضع الخطط الرامية إلى التصدي لمحاولات الاستيلاء على القرار العربي، وكلّ ما سوى ذلك يعني بالحد الأدنى إدامة الصراع، وبالحد الأقصى الخضوع للوصاية الإيرانية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل