سخر الرئيس السوري بشار الأسد من الاتهامات التي وُجهت الى القوات السورية بشن هجوم بأسلحة كيميائية على غوطة دمشق في 21 آب الماضي، متحديا أن تقدم الدول الغربية دليلا واحدا على هذا الامر.
وشن الاسد، في مقابلة مع صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية نشرت امس، هجوما على الحكومة الفرنسية التي أصبحت تابعة للولايات المتحدة وللسياسة القطرية، وحذر من أن أي عدوان على سوريا قد يؤدي الى اندلاع حرب اقليمية.
وقال الاسد، ردا على سؤال حول تقديم دليل على أن الجيش السوري لم يقم بشن هجوم على الغوطة وهو ما يتهمه الأميركيون والفرنسيون به، «من يتهم هو المسؤول عن تقديم الدليل، ونحن تحديناهم أن يقدموا دليلاً واحداً على هذا الاتهام، ولم يفعلوا، تحديناهم أن يقدموا دليلاً لشعوبهم ما دامت السياسات الخارجية تبنى باسم الشعوب ومصلحتها، ولم يفعلوا».
وأضاف «لنتحدث عن مدى منطقية هذا الاتهام، إن كان منطقياً أم لا، وأنا أسألك هنا: نحن نحارب منذ عامين وأستطيع أن أقول إن وضعنا اليوم ميدانياً أفضل بكثير من العام الماضي مثلاً، فكيف يمكن لجيش، في دولة ما، أن يستخدم أسلحة دمار شامل، بينما هو يحقق تقدماً من خلال الأسلحة التقليدية. أنا هنا لا أحدد إذا كان الجيش السوري يمتلك هذه الأسلحة أم لا يمتلكها، فهذا موضوع لا نناقشه. ثم لنفترض أن هذا الجيش يريد أن يستخدم أسلحة الدمار الشامل، إن كان لديه مثل هذا النوع من الأسلحة، فهل يمكن أن يستخدمها في منطقة فيها قواته، أين المنطق في ذلك؟ بالإضافة إلى ذلك هل من الممكن أن تستخدم أسلحة دمار شامل في ضواحي عاصمة من دون أن تقتل عشرات الآلاف، هذه المواد تتحرك مع الهواء».
وأشار الاسد الى إصابة جنود بهذه الاسلحة «في منطقة البحارية، وهي منطقة في ضواحي دمشق، ولجنة التحقيق قابلت الجنود في المستشفى».
وبشأن إعلان واشنطن أنها التقطت اتصالاً هاتفيا بين أحد المسؤولين وعناصر من الجيش يعطيهم أمراً لاستخدام هذه الأسلحة، قال الاسد «لو كان لدى الأميركيين أو الفرنسيين أو البريطانيين دليل واحد لأعلنوه منذ اليوم الأول. نحن لا نناقش شائعات أو ادعاءات، نحن لا نناقش إلا حقائق، وإن كان ما يقولونه حقيقة فليقدموا دليلهم على ذلك».
وعن تفسيره لقرار الرئيس الأميركي باراك أوباما تأجيل الضربات العسكرية على سوريا، أوضح الأسد أن «هناك من قال إن أوباما ضعيف لأنه تراجع عن توقيت العدوان أو أجّله إما أياماً أو أسابيع، وهناك من رأى أنه رئيس دولة عظمى قوي، لأنه هدّد بشن حرب على سوريا».
وأضاف «بالنسبة لنا نحن، القوي هو من يمنع الحرب وليس من يشعلها. القوي هو الذي يقف ويعترف بخطأ اقترفه. لو كان أوباما قوياً لوقف وقال ليس لدينا أدلة على استخدام الدولة السورية للسلاح الكيميائي. لوقف وقال: إن الطريق الوحيد هو تحقيقات الأمم المتحدة وبالتالي فلنعد جميعاً إلى مجلس الأمن، لكنه وحسب ما أرى كان ضعيفاً، لأنه خضع لبعض الضغوط الداخلية وهدد بالحرب هذا ما نراه، حكماً قلت لك، القوي هو من يمنع الحرب وليس من يفتعلها ويشعلها».
وعن رسالته الى أعضاء الكونغرس الاميركي، اعتبر الاسد ان «من يريد أن يأخذ القرار عليه أن يسأل نفسه سؤالاً بديهياً قبل أن يصوّت، وهو: ماذا حقّقت الحروب لأميركا أو حتى لأوروبا، ماذا حقق العالم من الحرب على ليبيا وعمّ الارهاب فيها، ماذا حقق العالم من حرب العراق وغيرها، وماذا سيحقّق العالم من دعم الارهاب في سوريا؟».
وقال إن «مهام أي عضو كونغرس هو العمل من أجل مصلحة بلاده، وقبل أن يصوّت يجب أن يضع القرار في كفة ومصلحة بلاده في الكفة الاخرى. فما مصلحة الولايات المتحدة في أن تزيد من الاضطراب والتطرف في الشرق الأوسط. ما مصلحتهم في استمرار ما بدأه جورج بوش وهو نشر الحروب في العالم؟ إذا فكروا منطقياً، ومن خلال مصلحة بلادهم، فلن يروا مصلحة لهم في مثل هذه الحروب، لكن أنت تعرف بأن المنطق ليس سيد المواقف السياسية لديهم في كثير من الأحوال».
وعن كيف سترد دمشق، قال الاسد «اليوم أن تتحدث عن برميل بارود هو الشرق الأوسط، وقد اقتربت النار جداً من هذا البرميل، فالموضوع لا يُعّد فقط بالرد السوري، وإنما بماذا سيحدث بعد أول ضربة. من يضع اليوم خطة الحرب يمكنه أن يجيبك عن أول خطوة فقط، أي ماذا سيفعل هو، لكن بعدها، لا يمكن لأحد أن يعرف ما الذي سيحصل، والجميع سيفقد السيطرة عندما ينفجر برميل البارود. لا أحد يملك جواباً عن الشكل النهائي لما سيحدث، لكن الأكيد هو الفوضى، الحروب، التطرّف وتداعياته في كل مكان».
وحذر الاسد من «خطر اندلاع حرب إقليمية، بل هذا الخطر يأتي في المرتبة الأولى. الموضوع اليوم ليس متعلقاً بسوريا، بل بمنطقة كاملة متكاملة مرتبطة اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً، فمن الطبيعي أن تكون التحديات إقليمية، لا سورّية فقط».
ورفض الرد على سؤال عما اذا كانت اسرائيل ستكون هدفاً من أهداف سوريا. وقال «هل تتوقع مني أن أعلن كيف سيكون الرّد؟ من غير المنطقي أن نعلن ما هي خطتنا، لكن كما قلت، بما أن اللاعبين كثر فالحديث عن لاعب واحد يقلّل أهمية ما سيحدث».
وعن الخطر الذي يتهدّد الأردن، شدد الأسد على أن «سياستنا ألا ننقل مشاكلنا لدول الجوار، وبالتالي كنا نتعامل مع الآلاف من الإرهابيين الذين أتوا سابقاً من الأردن ونضربهم داخل سوريا. كما أن الأردن أعلنت أنها لن تكون منطلقاً لأية عمليات عسكرية ضد سوريا. لكن لو فشلنا في ضرب الإرهاب في سوريا فبطبيعة الحال سينتقل إلى دول أخرى وسيزيد انتشار التطرف والفوضى».
وعمّا اذا كانت دمشق تعوّل على دعم ايران و«حزب الله» اذا تعرضت لضربة غربية، قال «الآن لا أريد أن أتحدث نيابة عنهم. لكن تصريحاتهم كانت واضحة. وبما أننا ذكرنا أنّ القضية اقليمية، فلا يستطيع أحد أن يفصل مصالح سوريا عن إيران، ومصالح سوريا وإيران وحزب الله عن مصالح دول أخرى تقف معنا». وأضاف «اليوم استقرار هذه المنطقة يتوقّف على الوضع في سوريا، وهناك وعي روسي لهذا الموضوع، لذلك روسيا لا تدافع عن الرئيس ولا عن الدولة السورية، وإنما عن الاستقرار في هذه المنطقة، لأنّ الأمر سينعكس أيضاً على روسيا. إن أي نظرة للأمور تحت عنوان تحالف سوريا مع إيران هي نظرة ضعيفة ومحدودة، فالموضوع أكبر من ذلك».
وعن الحل، أعلن أنه «عندما تكون الأزمة في بدايتها وتتحدث عن حل فذلك يختلف تماماً عن الحديث عن الحل اليوم. أنا قلت منذ البداية إن الحل من خلال الحوار، وهذا الحوار يؤدي إلى حلول وأفكار تُنفّذ عبر خطوات سياسية. اليوم الوضع مختلف، نحن نقاتل إرهابيين، 80-90 في المئة من الذين نقاتلهم هم من القاعدة، وهؤلاء لا يهمهم الإصلاح، ولا السياسة ولا القوانين، هؤلاء لا يمكنك التعامل معهم إلا عبر القضاء عليهم، عندها يمكننا الحديث عن خطوات سياسية، لذلك وجواباً على سؤالك الحل اليوم هو وقف إدخال الإرهابيين من خارج سوريا، بما في ذلك وقف دعمهم بالمال والسلاح وأي دعم آخر».
واتهم الاسد «السعودية بدعم المسلحين بالدرجة الأولى، وتركيا – الأردن (عبر تهريب المسلحين) وفرنسا وبريطانيا وأميركا».
وبشأن الانقلاب التام في العلاقة مع فرنسا وخاصة في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، قال «لم تكن علاقة صداقة. كانت محاولة لتغيير توجّه السياسة السورية من قبل فرنسا بتكليف أميركي، وكان هذا الموضوع واضحاً بالنسبة لنا. حتى التحول الإيجابي تجاه سوريا في العام 2008 كان بتأثير قطري، والانقلاب الفرنسي السلبي عام 2011 أيضاً كان بتأثير قطري. لأكن واضحاً، السياسة الفرنسية تجاه سوريا كانت تابعة تماماً لما تريده قطر وأميركا».
وحول الرسالة التي يوجهها الى البرلمان الفرنسي الذي سيجتمع غدا، قال «منذ أيام نُقِل تصريح عن لسان وزير الداخلية الفرنسي قال فيه: إن مشاركة فرنسا تنتظر الكونغرس الأميركي، ولم يقل بأنه ينتظر البرلمان الفرنسي، وبالتالي أنا أسألك هنا لمن تتبع الحكومة الفرنسية في قرارها، للبرلمان الفرنسي أم للكونغرس؟ منذ العام 2003 وعلى خلفية غزو العراق، وموقفها قبل الحرب، قررت فرنسا أن تتخلى عن استقلاليتها وأصبحت تابعة للسياسة الأميركية. هذا ينطبق على (جاك) شيراك بعد الحرب، على ساركوزي والآن هولاند. والسؤال هنا: هل اجتماع البرلمان الفرنسي سيعني عودة استقلالية القرار الفرنسي للفرنسيين؟ نتمنى أن يكون الجواب نعم، وعندها أقول لهم: لينطلق كل عضو برلماني فرنسي من مصلحة فرنسا، هل سيقف ممثلو الشعب الفرنسي مع التطرف والإرهاب، مع الذين قاموا بهجمات 11 ايلول في نيويورك، أو مع من فجروا المترو في إسبانيا. هل سيقف ممثلو الشعب الفرنسي مع الذين قتلوا الأبرياء في فرنسا؟».
وأضاف «كيف يمكن أن يقفوا ضد أشخاص مثل محمد مراح في فرنسا، ومع أشخاص مثله في سوريا. كيف يمكن لفرنسا أن تحارب الإرهاب في مالي وتدعمه في سوريا، هل ستكون فرنسا نموذجاً لسياسة المعايير المزدوجة التي سوّقتها أميركا؟ كيف يمكن أن يقنع أعضاء البرلمان الشارع الفرنسي بأن دولتهم دولة علمانية، وفي الوقت ذاته تدعم التطرف والطائفية في مكان آخر، دولة تدعو للديموقراطية، لكن حليفها الأساسي دول من العصور الوسطى كالسعودية. أقول لأعضاء البرلمان الفرنسي عودوا لمبادئ الثورة الفرنسية التي تباهى العالم بها: حرية – عدالة – مساواة».
وتهرب الاسد من الاجابة عن سؤال حول ما اذا كان سيتم استهداف المصالح الفرنسية في سوريا أو المنطقة اذا شاركت في العدوان. وقال «لا أعرف إن كانت ستضرب أم لا. هذا يعتمد على تداعيات الحرب. لكن بكل تأكيد ستخسر مصالحها. هناك كره واحتقار تجاه السياسة الفرنسية، هذا أصبح واضحاً وهو ينعكس على المصالح مباشرة، سينعكس على مصالح فرنسا سلباً طبعاً، وخاصةً أن دولاً مهمة في المنطقة بدأت تتجه باتجاه الشرق، ولم تعد تنظر لأوروبا كما كانت في السابق. البدائل موجودة والاحترام المتبادل موجود بيننا وبين هذه الدول».
وأعلن ان ترشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة «يعتمد على رصد رغبات الشعب السوري في ذلك الوقت. إذا شعرت بأن هناك رغبة بهذا الشيء فلن أتردد والعكس صحيح. قد لا يكون لدينا إحصائيات الآن لكن لدينا مؤشرات، والمؤشر الأساسي هو أنك عندما تحارب إرهابيين يأتون من أكثر من ثمانين دولة مدعومين غربياً وعربياً أحياناً، وفي بالمقابل الشعب لا يريدك، فلا يمكنك أن تستمر. ما دامت سوريا صمدت لعامين ونصف العام فذلك مؤشر مهم بأن هناك دعما شعبيا».
وقال «لسنا نحن من اختار القتال. أمامنا خياران: إما أن نقاتل وندافع عن بلدنا ضد الإرهاب، أو أن نستسلم، وتاريخنا في هذه المنطقة لا يذكرنا بأننا استسلمنا سابقا. هذه المنطقة تعيش حروباً دائماً لكنها لم، ولا، ولن تستسلم». وأضاف «تاريخ منطقتنا يقول إنه عندما تدافع الشعوب عن نفسها تنتصر، وهذه الحرب ليست حرب الرئيس ولا الدولة هي حرب كل الوطن، وسننتصر».
وعما إذا كانت الدولة الفرنسية اليوم عدوة لسوريا، قال «بقدر ما تكون سياسة الدولة الفرنسية معادية للشعب السوري تكون عدوة له، وينتهي هذا العداء عندما تغيّر الدولة الفرنسية سياساتها».