“يا أرضنا الحمراء كفى… رحمة
توبي عن الكأس الحرام وأقلعي
يا كربلاء القتل في أوطاننا
تعب الحسين وغيره فلتشبعي”
(محمد جربوعة)
لم يعد اليوم الالتزام بشرعة حقوق الإنسان مسألة مزاجية تقف عند حدود السيادة الوطنية لكل بلد ولا يمكن لحاكم أو سلطة أن يستبيحا قواعدها بحجج مثل الأمن القومي أو المصلحة الوطنية، فقد تحوّل العالم كله إلى مساحات متواصلة بعد ثورة الاتصالات والمعرفة العصية على السلطات السياسية. لذلك فإن شرعة حقوق الإنسان تتساوى اليوم شرعيتها مع قوة القانون العالمي والذي يضع العالم كله وقواه الفاعلة والحية أمام مسؤولية تطبيقه. وبالتالي لا يمكن اليوم التنصّل من مسؤولية واجب التدخل، ولو بالقوة، وتجاوز الحدود السيادية للدول لحماية البشر وحماية حقوقهم بالحياة والحرية والكرامة.
الثورة السورية
لم تنطلق الثورة السورية منذ عامين ونصف عام إلا لأن الجزء الأكبر من الشعب السوري أصبح يعرف حقوقه المبنية أساساً على شرعة حقوق الإنسان الأممية. وكانت هذه الحفنة المغامرة من البشر الذين أطلقوا الحراك في سوريا رغم معرفتهم المسبقة بوحشية حاكمهم، يراهنون على أن العالم الحر سيهبّ بسرعة لنجدتهم بمجرد أن تؤكد ثورتهم متانتها وإصراها على الاستمرار على الرغم من التضحيات.
والواقع هو أن هذا الرهان لم يكن عبثياً، فتجربة البوسنة كانت أحد الأدلة, وما حصل في ليبيا من تدخّل حاسم للمجتمع الدولي كان بارقة أمل إضافية للشعب السوري.
السوريون بأكثريتهم الساحقة كانوا يصرخون بسلمية تحرّكهم في البداية, وكل ما كانوا يريدونه هو حقهم بالمشاركة في الحكم من خلال انتخابات حرّة وشفافة، يعني كانوا يطالبون بالديموقراطية وكان عشقهم للديموقراطية يقتل المئات منهم كل يوم ولم يتوقفوا عن عشقها على الرغم من الأسى من تجاهل العالم الحر لهم.
مسؤولية العالم الحر
لقد تجاهل العالم السوريين واكتفى زعماؤه بكلمات التنديد والاستنكار في حين كان البشر يُقتلون بشكل يومي ومنهجي بالبراميل المتفجرة وصواريخ السكود وفي البيوت والمساجد والمستشفيات وعلى الطرق. على هذا الأساس لم يكن المجتمع الدولي بحاجة الى مجزرة الكيماوي ليصنف بشار الأسد مجرم حرب ويقرر البعض معاقبته. فما قامت به قواته وشبيحته وحلفاؤه على مدى الثورة السورية تجاوز كل حدود الإجرام بحق الإنسانية.
المهم اليوم هو أن العالم أمام تحدٍّ خطير، وبصراحة فإن مواقف معظم الدول التي لم تنفك يوماً عن التغني بالقواعد الأخلاقية والالتزام بمبادئ شرعة حقوق الإنسان مثير للقرف بعدما تنصّلت اليوم من مسؤولياتها وانسحبت تحت شعارات مقززة لا تعبر إلا عن النفاق والرياء والجبن.
سنتان ونصف السنة ولم يتحرّك العالم وكانت النتيجة تحوّل الثورة إلى حرب أهلية حقيقية ولأسباب منطقية واستقطبت الساحات المفتوحة أكثر العقول تطرفاً وعنفاً, فتمكّنت ولو جزئياً من الاستيلاء على شعارات الثورة لتحوّلها سوداء قاتمة بعد أن كانت ملونة بالأمل وبالحرية والكرامة.
أنا أتفهم خضوع الدول التي بقيت في الساحة للقواعد الديموقراطية، وقد تمنع القواعد الديموقراطية نفسها التي يُقتل من أجلها السوريون من تبقّى من دول في الساحة من مدّ يد عون فاعلة لهم، لا يمكن تصور هذا التحرّك اليوم إلا من خلال تدخّل عسكري حاسم يؤدّي إلى تسوية سياسية تعطي للشعب السوري كامل حقوقه على أساس شرعة الأمم المتحدة.
أما في حال عدم القيام بشيء أو الأسوأ في حال القيام بضربة محدودة من قبيل رفع العتب، فإن الأمور سوف تؤدي إلى التالي:
– ستستمر الحرب في سوريا إلى أجل غير مسمّى مما يعني المزيد من القتلى والدمار مع تمادي بشار في القتل طالما أن لا أحد يحاسب.
– سيصبح أي حل سياسي على أساس تسوية ما بعيد المنال.
– يأس المعتدلين في سوريا من العالم واستقالة البعض من اعتدالهم وذهابهم إلى الخيارات المتطرفة.
– انتصار حجج المتطرفين على المعتدلين.
– خروج بشّار وإيران وكوريا الشمالية و”حزب الله” وربما آخرين ليعلنوا انتصارهم على العالم بأجمعه.
– احتمال تكرار استعمال الكيماوي في مناسبات أخرى.
– اقتناع إيران بأن أحداً لن يتحرّك لوقف برنامجها النووي.
لذلك فإن الخيار الوحيد هو توجيه ضربة فاعلة تؤدّي إلى تغيير موازين القوى القائمة حالياً وتدفع إلى وقف النزيف وإقناع النظام بالتسوية حتى لا تخون الديموقراطية من يموتون عشقاً لها.
() عضو المكتب السياسي في تيار “المستقبل”