لا شيء مستحيلاً على العذراء مريم، القادرة من دون أدنى شكّ على توحيد المسلمين والمسيحيين.. لكن متى تصبح الإنجازات الوزارية إنجازات لبنانية، لا تحتكر أسماء من هم على رأس الوزارة أو لا تكون تحت عنوان مذهبي؟ “هيدا المشروع، أنا قدّمتو”، إحدى عبارات الجنرال لتوصيف مشروع قانون مقدّم للمجلس النيابي، “لا يريدون أن يكون نجاح وزارة الطاقة لنا”.. فكيف لأحد المسؤولين أن يتحدث عن “نجاح وزارة الطاقة” إذا كانت الوزارة تستغرق 3 أيام لإصلاح عطل طرأ يوم السبت؟
لم يعرض الجنرال في مؤتمره بعد اجتماع التكتل أي قضية سياسية طارئة، إنما اتّجه الى الدفاع عن مشاريع وزرائه وراح “يحشد” تحديداً لصهره على خلفية مشروع القانون المطروح أمام المجلس النيابي بشأن سيارات الغاز والمازوت.. واضح أن الغرض من هذا الدفاع هو أن يبدو “التيار الوطني الحرّ أمام الرأي العام محطّ أنظار الجميع، حتى يصبح صيت “التيار” ذائعاً على أنه التيار الذي يسعى الى الإصلاح ويتقدّم بالمشاريع ويطرح الحلول ويبتكر الخطط و”يفكّ الشيفرة” لكن هناك من يعطّل عمله حتى لا يظهر أكثر نشاطاً منه.
غير أن الفرضية التي عرضها الجنرال حول إهمال اللجان النيابية للمشاريع التي “يقدّمها” غير واردة قائلاً “بتشمس، بتشتي، بتخرب.. يمرجحون بالقوانين منذ 3 سنوات ونصف”.. فما إن أنهى تصريحه المقتضب حتى صدر في الإعلام خبر مفاده أن “اللجان المشتركة قررت دمج مشروعي استيراد المركبات الآلية العاملة على المازوت الأخضر والغاز الطبيعي وتكليف لجنة لإعادة درسهما”. على العكس، فقد أثبتت اللجان النيابية أنه يمكن استبدال الانتقاد المتكرر بالعمل على تقديم مشروع كامل متكامل لأن العبرة ليست في التصويت على المشروع لأن الأخير قد يسقط عند عرضه على الهيئة العامة للمجلس، وحينها لن يتردّد المنتقدون في القول إن العالم يسير عكس إرادتنا لإفشالنا.. ويقول مصدر نيابي مطّلع بأن “ما يقوله الجنرال مغلوط”، مبدياً أسفه حيال ذلك وشرح “هناك ترابط بين الموضوعين ولا يمكننا أن ندرس كل مشروع قانون على حدة حتى لا “يضرب” الأول مشروع القانون الثاني، لأن كلاهما مرتبطان بالمازوت الأخضر والغاز”.
لكن الحبكة ليست في هذه النقطة تحديداً التي يمكن توضيحها غير أن الخوف يبقى من التضليل.. وتدور الحبكة في المقاربة الدينية الطائفية المذهبية التي يطرحها الجنرال، حينما يقول بأن “الإرادة غير موجودة لدى البعض للتنقيب عن النفط والغاز، وهذه خسارة للمسيحيين”.. فهل سيختلف اللبنانيون ويتصارعون إن كان الوزير الذي سيؤمن لهم الكهرباء مسيحياً أو مسلماً أو درزياً؟! لكن الأرجح أن اللبنانيين سيتّفقون حتماً إذا أمّن لهم وزير الطاقة الكهرباء كما تفعل الوزارات في كل الدول، الى أي طائفة انتمى! وهل يسأل المغتربون اللبنانيون أو الباحثون عن عمل في الدول العربية أو الأجنبية عن اسم وطائفة ومذهب و”أصل وفصل” الوزير؟
أقل ما يُقال في أداء “التيار” الوزاري هذا أنه “خصخصة مذهبية” للوزارات والقوانين ومشاريع القوانين، علماً أن الثغرات تشوبها حيناً بالطرح وأحياناً بالملاحقة والمتابعة.. فهل من المنطقي القول إن وزارة الطاقة “مرّ عليها “كل العالم” ولم ينجح أحد بإنجاز أي عمل فيها”..؟ بل الأجدى القول إن الوزارة جالت على كل العالم ولم تقع إلا على “فاطمة غول” المعطّلة.. ولو فعلاً “مرّ عليها كل العالم” ما كان هناك من حاجة للدفاع عنها في عهد حكومة السلاح!
يختم الجنرال تصريحه بالتوجّه الى الصحافيين ليتقدّموا بأسئلتهم قبل أن يغضب على إحدى الصحافيات “يا اختي ما تستنتجي أنا هيك عم قلّك”، ومن البديهي أن تتركز الأسئلة على الواقع السياسي الإقليمي والمحلي الذي لم يمرّ الجنرال على ذكره، خصوصاً وأنه سيبدو من العسير انتقاد الحلفاء.. يقول ردّاً على سؤال حول تشكيل الحكومة “نحن محكومون برؤوس محتلة” مشيراً الى رأسه ويقول “هون حاطينلون علامة + (plus) بالرأس”، ويتابع “لا يمكنهم اتخاذ قرار ولو الأمور خاضعة لمسار معين كنا علمنا متى يمكن تشكيل الحكومة لكن بهذا الوضع لا يمكن معرفة موعد”.. والخلاصة أن الجنرال لا معلومات لديه عن كيفية تشكيل الحكومة وتوقيتها وشكلها ومضمونها، لكنه في المقابل مطّلع على القضايا الإقليمية والدولية. عن سوريا يقول “حابّين نختار حدا نساعدو، بس مين؟” ثمّ يجيب “نحن منختار الشعب السوري ومن يحافظ على سلامتو”.. وما نفع الكلام الإعلامي عن الكيماوي وما قبله إن كان الواقع على الأرض مغايراً، طالما سقطت أوراق التين ولم تسقط ورقة التفاهم؟!
أما دولياً، فيحلل الجنرال الأزمة العالمية بين أميركا وسوريا قائلاً “أميركا ضدنا ولا يمكن استنتاج موقف من مسألة قتال حزب الله ونحن في أزمة وجود في لبنان”. فكيف يمكن الجمع بين الأضداد وبالتالي بين اختيار الشعب السوري وعدم اختيار موقف حيال “حزب الله”.. فعلاً إن البعض يعيش أزمة وجود!