|
|
||||||
غير أن الإنجاز الأمني النوعي الذي حققته الأجهزة الأمنية، بشكل عام وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي بشكل خاص، كان كفيلاً بوضع الاصبع على الجرح وإعطاء الأمل أقلّه بقطع الطريق على هذه الشبكات الإرهابية المصدرة الى لبنان، إذا كان مستحيلاً قطع دابرها واجتثاثها، بعدما أثبتت التحقيقات أن هذه الشبكات قوامها ضباط وعناصر في جهاز الاستخبارات السوري، الذي جنّد كل طاقاته ومخبريه وعملائه من أجل تصدير السيارات المفخخة الى لبنان، ما يعني أن دولة شقيقة سخّرت أجهزتها الأمنية لتصدير كل أشكال الإرهاب الى لبنان بهدف تعميم الفوضى وإشعال الفتن الطائفية والمذهبية بما يخدم أجندته على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.
لا مجال هنا للنقاش ومحاولة ردّ الاتهامات وتسخيف الأمور وتبرئة نظام لم يصنع أمجاده إلا على دماء الأبرياء في سوريا وفي لبنان والعراق ومعظم دول المنطقة، والشواهد على ذلك لا تعدّ ولا تحصى بدءاً من الاغتيالات التي بدأت للقادة اللبنانيين منذ سبعينات القرن الماضي مع اغتيال الزعيم كمال جنبلاط الى الرئيس بشير الجميل والشيخ صبحي الصالح والمفتي حسن خالد والنائب ناظم القادري، والرئيس رينيه معوض، وصولاً الى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل شهداء ثورة الأرز من وزراء ونواب وإعلاميين ومناضلين سياسيين وقادة أمنيين.. ولا تتوقف القائمة عند هؤلاء فالمشروع البعثي استمرّ بأشكال مختلفة عبر تصدير شاكر العبسي الى مخيم نهر البارد ومن ثمّ مشروع سماحة ـ مملوك وآخرها وليس آخرها إثبات تورط المخابرات السورية بتفجيري طرابلس، وتوفر معلومات قيّمة عن وقوفها وراء تفجيري الضاحية الجنوبية، كلها ضمن مرحلة زمنية قصيرة جداً.
والأسئلة التي تُطرح في هذا المجال كثيرة وكبيرة في آن، فإذا كانت دولة شقيقة بينها وبين لبنان معاهدات أمنية وقضائية تمارس بأهم أجهزتها الإرهاب على لبنان وشعبه، فما هو موقف الدولة اللبنانية والحكومة المنبثقة من رحم إرادة نظام تلك الدولة؟. وأين الحكومة ورئيسها ووزراؤها من أدلة واعترافات دامغة وموثقة توصل اليها التحقيق أمام شعبة المعلومات وأمام القضاء العسكري، وهي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، بأن المخابرات السورية هي التي تقف وراء تفجيري طرابلس، وهي التي فخخت السيارتين وأدخلتهما الى لبنان وسلمتهما لعملاء لها وجرى تفجيرهما في مسجدي السلام والتقوى في طرابلس، وأوقعا أكثر من خمسين شهيداً و550 جريحاً من المصلين والأبرياء والنساء والأطفال؟.
أين موقف وزير الخارجية أمام قضية يجد فيها حلفاءه يقتلون شعبه بدم بارد، بينما هو يجوب أقطار العالم ليدافع عن هذا النظام الإرهابي القاتل لشعبه وللشعب اللبناني وللكثيرين من شعوب المنطقة؟.
ما هو موقف الدولة بكل مؤسساتها الرسمية من حكومة ومجلس نيابي ومؤسسات عسكرية وأمنية أمام ما يفعله نظام “شقيق” بالشعب اللبناني؟، وأين الإجراءات الواجب اتخاذها لوقف هذا الإرهاب أو الحد من خطورته ومساءلة من يقف وراءه؟.
لماذا تتردد الدولة اللبنانية في معاملة النظام السوري بالمثل؟، ولماذا لا تردّ عليه بالطريقة نفسها التي تعامل فيها مع وزراء ونواب ومرجعيات قضائية وأمنية وإعلامية في ما يسمّى قضية “شهود الزور” التي لم تكن إلا انعكاساً لوجه وحقد من وقف وراءها وسوّق لها من أجل حرف التحقيق القضائي عن مساره، والتشويش على المحكمة الدولية والأدلة التي توصلت اليها، وكشف هويات من اغتال الرئيس الحريري ورفاقه، ومن يقف وراءهم ومن أعطاهم الأوامر سواء في الداخل أو في الخارج؟.
أين موقف “حزب الله” وقادته وحلفائه الذين ابتدعوا فزّاعة التكفيريين، من أجل إخفاء تورطهم في قتل الشعب السوري؟. وما هو رأيهم في المعلومات الأمنية المتواترة التي تؤكد أن من نفذ تفجيرات الضاحية وطرابلس جهة واحدة، وأن السيارات التي استعملت في هذه التفجيرات اشتراها شخص واحد من البقاع ونقلها الى سوريا قبل أن يفاجأ اللبنانيون بتفجيرها في مناطقهم؟، ألا يجدر بـ”حزب الله” وجهازه الأمني صاحب الباع الطويل في تعقب آثار السيارات الجانية أن يقوم بهذا الدور ويصل الى هذه الحقيقة؟. أليس من حقّ جمهور “حزب الله” وأهالي الشهداء أن يطلعوا على حقيقة هذا الأمر ومصارحة الناس، أو أقلّه حسم هذه النقطة سلباً او إيجاباً ليتبيّن لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟.
لا أحد من اللبنانيين يطلب من الدولة، أو من “حزب الله” الذي يمسك بناصيتها أن تشنّ حرباً على النظام السوري، لكن من حقها وحفظاً لماء وجهها، ودفاعاً عما تبقى لها من سيادة، أن تقول الحقائق كما هي وأن تسائل نظام الإرهاب عبر سفيره في لبنان، أقلّه بتوجيه اللوم أو التحذير من استمراره في زرع الإرهاب في كل زاوية من الجغرافية اللبنانية، أو تقديم شكوى الى مجلس الأمن الدولي، وفي أسوأ الأحوال أن تكفّ الحكومة ووزير خارجيتها عن ممارسة الدفاع المستميت عن نظام حكمت عليه دماء أطفال الغوطة بالإعدام، وهو ينتظر بين ساعة وأخرى لحظة تنفيذ هذا الحكم.