فحيثيات عمل المؤسسات الأميركية وصلاحيات الرئاسة تتيح لباراك أوباما القيام بعمل عسكري من دون الرجوع الى الكونغرس، أسوة بما عليه الحال في فرنسا، وخلافاً لما تقتضيه متطلبات الديموقراطية البريطانية. لكن الرئيس الأميركي يسعى لنيل موافقة الكونغرس خشية أن تجبره الظروف في مرحلة ما على توسيع مدى الضربات زمنياً وجغرافياً مع تعهده الواضح والعلني بأن أي جندي أميركي لن يدوس أرض سوريا، وفق نياته المعلنة بعد انتخابه للمرة الأولى والثانية بعدم التورط كما فعل سابقه في أفغانستان والعراق، وفق ديبلوماسي لبناني سابق مطّلع عن قرب على آليات توزع الصلاحيات في الولايات المتحدة.
ويعزو المصدر تحسب أوباما الى خشيته من ردود فعل الأسد وحلفائه باستهداف الأراضي الاسرائيلية من سوريا، او من قبل “حزب الله” سواء أقام بذلك من الاراضي اللبنانية أم من الأراضي السورية التي يتواجد فيها عسكرياً لدعم الأسد. وكذلك الخشية من استهداف تركيا كما أكد نائب وزير الخارجية فيصل المقداد والذي استبقه الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسن بتأكيده أن الحلف، سيتحرك، بطريقة جماعية، في حال شنّ النظام السوري هجوماً على تركيا باعتبارها من أعضائه.
إضافة الى تلويح مقربين من الأسد بالعزم على زعزعة استقرار الأردن ولبنان وكذلك استهداف مصالح دول أوروبية وفق ما كشف بوضوح الأسد نفسه عندما هدّد فرنسا.
لكن المصدر يستبعد أي امكانية فعلية لأن تجر الضربات العسكرية على سوريا الى حرب إقليمية. وهو يدرج ردود فعل روسيا وإيران والأسد نفسه ضمن إطار عملية عض الأصابع أسوة بتجربة إطلاق إسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة صاروخاً في البحر المتوسط. ويلفت الى مرونة مستجدة في موقف موسكو وحتى طهران لكنه يدرجها في إطار سعي البلدان الى تضييع الوقت وتأخير الضربة التي ينحصر هدفها الرئيس في منع الأسد من اللجوء مرة أخرى لاستخدام السلاح الكيماوي باعتباره “خطراً جدياً على الأمن القومي الأميركي وبلدان أخرى في المنطقة” كما أكد أوباما.
فروسيا، التي حمت نظام الأسد من الإدانة في مجلس الأمن الدولي ثلاث مرات حتى الآن باستخدام حق النقض، أعلنت بلسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف أن الضربة إذا حدثت فهي “لن تحارب أحداً بسببها”. وألمح رئيسها فلاديمير بوتين للمرة الأولى الى احتمال الموافقة على ضربة عسكرية إذا ثبت تورط النظام السوري باللجوء الى أسلحة كيماوية. كما أعلنت موسكو تجميد عقود عسكرية مع دمشق لذرائع مالية وتتضمن طائرات متطورة ومنظومة دفاع جوي من صواريخ طراز أس 300 بما يوحي باستعداد ما للبحث عن تسوية وتقديم تنازلات.
ويرى المصدر في المطالبة الروسية بإثبات هذا التورط عبر تحقيقات تستدعي وقتاً طويلاً بدل اعتماد أدلّة العمل المخابراتي محاولة لتضييع الوقت. وقد نشرت الاستخبارات الفرنسية تقريراً مطولاً يثبت استخدام الجيش النظامي أسلحة كيماوية خلال هجومه على غوطة دمشق في 21 آب الماضي اضافة الى تقارير مصدرها الاستخبارات الأميركية والبريطانية وتشديد راسموسن والرئيس الايراني السابق هاشمي رفسنجاني على القناعة بأن نظام الأسد استخدمها. كما أكدت الجامعة العربية بلسان أمينها العام نبيل العربي تعذر استخدام هذه الأسلحة إلا بواسطة صواريخ وطائرات معينة لا تتوفر بيد المعارضة.
أما إيران ورغم تلويحها بردود تشعل المنطقة فقد أعربت وفق معلومات صحافية عن استعدادها للدفع باتجاه حل سياسي، معروف أن المطالبين به يشترطون غياب الأسد عن طاولته، وذلك خلال استقبال مسؤوليها للسلطان قابوس بن سعيد أو جيفري فيلتمان.
وتنطلق مشاورات الكونغرس الاميركي الاثنين المقبل وسط مؤشرات تُجمع على أنه سيغطي خيار أوباما. وتسبق ذلك لقاءات قادة الدول العشرين اليوم وغداً في سان بيترسبورغ في روسيا حيث لا لقاء ثنائياً مقرراً بين أوباما وبوتين نتيجة تراكم الخلافات وآخرها بشأن قضية استقبال موسكو لإدوار سنودن المتهم بتسريب معلومات وكالة الامن القومي الاميركي والتي سبقتها سلسلة خلافات بدءاً من منظومة الدرع الصاروخية الى الملف النووي الى الازمة في سوريا .
فهل تشكل لقاءات سان بيترسبورغ فرصة ما لحل سياسي عن طريق “جنيف 2” عبر توفير مخرج للروس للضغط على الأسد للتخلي عن صلاحياته بشروط المرحلة الانتقالية التي نص عليها بيان “جنيف 1” بعد أن استخدم السلاح الكيماوي؟ أم تكون الضربة العسكرية الأميركية حتمية حتى لا تفقد الولايات المتحدة مصالحها وصدقيتها وتفوقها العالمي، خصوصاً وأن من المعروف أن الضربة ستطاول في طريقها معاقل الارهابيين وسيليها دعم “الجيش السوري الحر” بما يمكنه من إسقاط النظام؟