دخل قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما توجيه ضربة الى سوريا، مرحلة جديدة، بعدما أعلن أنه ينتظر الضوء الأخضر من الكونغرس، في وقت صوّتت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي لمصلحة توجيه ضربات محدودة للنظام السوري.
سبق إرجاء الضربة العسكرية، التي كان توعّد بها أوباما على خلفية اتّهامه الرئيس السوري بشّار الأسد، باستخدام السلاح الكيماوي، مواقف دولية رفضت الضربة، أبرزها لبريطانيا وألمانيا وروسيا. وأوضحت مصادر مراقبة أنّ الرفض “أتى إمّا حرصاً على النظام الذي راعى مصالح إسرائيل في المنطقة، أو خوفاً من تنامي الأصولية والإرهاب، والخشية من عرقنة سوريا، فضلاً عن ثبات روسيا في دعم الأسد كحليف استراتيجي”.
هذه المواقف قادت الى الحديث عن إمكان توجيه ضربة محدودة، “لا تقتل الناطور ولا تُطعم العنب”، لكنّها تحافظ على ماء وجه أوباما ومبدأ العدالة الدولية. لكن ماذا لو لم يقبل الكونغرس بدوره تحمّل المسؤولية في توجيه الضربة؟
مخرج قانوني
يخشى الحقوقيون من أزمة ضمير عالمية، إن بقيَت الدول الكبرى متفرّجة وعاجزة عن وضع حدّ لإفلات المسؤولين عن الجرائم المروّعة من العقاب، في وقت يجد البعض أنّ ثمّة مخارج قانونية يفترض اللجوء إليها من دون إحراج الدول.
المدّعي العام الدولي
وفي هذا الإطار، يرى الخبير في القانون الجنائي الدولي المحامي وهبي عيّاش أنّ “رفض الكونغرس وبقيّة الدول الكبرى توجيه ضربة الى سوريا، لا يعني أنّ الضربة لن تقع، خصوصاً أنّ مصداقية أوباما على المحكّ، فضلاً عن أنّ هذه الدول لن تستطيع التبرير لشعوبها صمتها عن هذه الجريمة المروّعة في حق السكان المدنيين”.
ويوضح عيّاش لـ”الجمهورية”، أنّ “العالم قد يذهب الى مخرج قانوني من خلال المحكمة الجنائية الدولية، وذلك تحاشياً لتحمّل الدول الكبرى مسؤولية القرار المباشر عن الضربة، من دون المرور بمجلس الأمن الخاضع لحق الفيتو”.
سوابق تاريخية
ويشير عيّاش الى أنّ “هذا الحلّ سبق أن اعتمد بالنسبة الى ليبيا، حيث طلب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو، من حلف “الناتو” توجيه ضربة لإطاحة زعيم ليبيا الراحل معمّر القذافي، وقد لبّى الأمين العام للحلف أندريس راسموسين الطلب، على رغم أنّ نظام المحكمة الدولية لا يطبّق إلّا على الدول الموقّعة (123 دولة)، وأنّ ليبيا ليست من بينها، وكذلك الحال بالنسبة الى سوريا، لكنّ المدعي العام استند الى دراسة كنت شاركت فيها قبل سبع سنوات، تجيز تدخّل “الناتو” في دولة غير موقعة، شرط أن تكون منضمّة الى الأمم المتحدة، حفاظاً على الأمن وتحقيقاً للعدالة. وهذا ما حصل أيضاً باستدعاء الرئيس السوداني عمر البشير وفي قضية دارفور ورواندا وليبيريا”.
ويشدّد عيّاش على أنّ “المحكمة الجنائية الدولية أنشئت بموجب نظام روما عام 2002 تحت عنوان: “لا للإفلات من العقاب”، لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، ومنها انتهاكات اتفاقات جنيف لعام 1949 والقتل العمدي والتعذيب والإعدام الميداني، وإلحاق الضرَّر الجسيم بالصحة للجماعات، (الغازات السامة والميكروبية)، وتدمير الممتلكات، وأخذ الرهائن، وقصف القرى والمدن، وارتكاب الحروب الإتنية، واستخدام الأسلحة ضدّ المدنيين وغيرها”.
حيادية المحكمة
ويؤكّد عياش أنّ “المحكمة الجنائية الدولية هي كيان مستقل، لا تخضع للسياسة ولا تحكم وفق الأهواء الشعبوية، كما هي حال المجالس البرلمانية”، موضحاً أنّ “العالم لا يستطيع أن يحمل مسؤولية المزيد من الدم البريء في سوريا، بعدما تفوّقت هذه الأخيرة على كمبوديا في عدد المعوّقين بعد نحو سنتين ونصف فقط على حربها”.
ويرجّح عياش توجيه “ضربة تأديبية الى سوريا تطاول المراكز العسكرية”، لكنّه يَستبعد ضرب المراكز الكيماوية “لأنّها تكون عادة منفصلة عن بعضها في مراكز ثلاثة: واحد للقاذفة وآخر للمواد، وثالث للإمرة التي تكون بمثابة المفتاح السرّي في يد رئيس البلاد دون سواه”، معتبراً أنّ “ضرب سوريا سيكون بمثابة “بروفا” لضرب إيران وكوريا الشمالية”.
ويقلّل عيّاش من فاعلية التهديد الروسي من استخدام القوّة ضدّ الأسد، ملاحظاً أنّ “روسيا تُهدّد دائماً لكنّها لا تضرب، بسبب غياب التوازن العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية”. ويستشهد برفض روسيا التدخّل الأميركي في كوبا عام 1960 “الذي لم يفضِ الى أيّ عمل عسكري، وكذلك بالنسبة الى تدخّل أميركا في افغانستان والعراق ومالي وكوسوفو وغرانادا واليمن”، مؤكّداً أنّ روسيا لن تتدخّل في سوريا.
ويرَى عيّاش أنّ “إيران لن تتدخّل بدورها لصدّ الضربة المحتملة، ليس بسبب غياب التوازن العسكري وحسب، بل خوفاً من توتير العلاقات مع الدول والأقاليم السنّية المحيطة بها (كازاخستان والشيشان وناغورني كاراباخ)”.