شهدت نهاية الاسبوع الماضي ثلاث مناسبات مختلفة، تضمنت ثلاث كلمات، والعديد من المواضيع والمواقف التي تقاطع معظمها، ولكن بنظرة تختلف بين الواحدة والاخرى.
المناسبة الاولى اقيمت في القصر الرئاسي الصيفي في بيت الدين، دعا اليها الرئيس العماد ميشال سليمان في ذكرى مرور 90 عاما على اعلان لبنان الكبير، والقى فيها كلمة تناولت تقريبا جميع القضايا الخلافية التي تقسم اللبنانيين في هذه الايام، واكد فيها سليمان على دعوة جميع الافرقاء الى احترام القوانين والدستور وما تتضمنه من صلاحيات تحددت بوضوح لكل مسؤول، ودعا مجدداً الى الالتزام باعلان بعبدا، وخصوصا البند الذي يقول بتحييد لبنان عن الخلافات العربية والاقليمية والدولية، والى متابعة الحوار في قصر بعبدا، انطلاقاً من النقطة التي وصلها اليها المتحاورون ولم يتفقوا عليها، وهي الاستراتيجية الوطنية للدفاع عن لبنان. ومناقشة التصوّر الذي يراه سليمان لهذه الاستراتيجية، التي وزعت على جميع المشاركين واعلن عنها في وسائل الاعلام، كما رفض سليمان الامن الذاتي ومصادرة حقوق المواطنين والحلول محل الدولة، ودان ما تعرض له ديبلوماسيون سعوديون وكويتيون، وشدد على ان رسم سياسة لبنان الخارجية يحدده رئيس الجمهورية وليس غيره، كما ان الرئيس سليمان في تصريح له امس للزميلة اللواء، طلب من رئيس الحكومة المكلف تمام سلام ان يمارس حقه الدستوري ويرفع الى رئيس الجمهورية تشكيلة حكومته لاخذ الموافقة عليها كما ينص الدستور على ذلك.
يبدو واضحا ان رئيس الجمهورية لم يخف استياءه من محاولات تجاوز البعض الدستور والقوانين، وعدم الالتزام بما يتم التوافق والتوقيع عليه، وىأخذ دور المؤسسات الامنية الشرعية المسؤولة حصرا عن امن المواطن وسلامته، والقيام بأعمال تسيء الى علاقات لبنان مع الدول الشقيقة والصديقة وبطبيعة الحال، ومن باب مسؤولياته الدستورية، لا يمكن لرئيس الدولة ان يقبل بتجاهل القرارات الدولية او القفز فوقها، وخصوصا القرار 1701 الذي حصر مسؤولية الامن في الجنوب بالجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية.
المناسبة الثانية كانت احياء ذكرى اخفاء الامام موسى الصدر، وكلمة رئيس المجلس نبيه بري التي ارادها ان تكون خريطة طريق «يعتمدها» رئيس الجمهورية في دعوته لاستئناف الحوار في بعبدا، ولم يكن الرد عليها ايجابيا بالمطلق من مصادر في قصر بعبدا، وقد تكون كلمة الرئيس سليمان في بيت الدين، الرد غير المباشر على ما اقترحه بري، الذي على ما يبدو كان يعلم سلفا بأن خريطة الطريق التي اقترحها لن تكون سالكة وآمنة، لانها كانت مفخخة ببنود «تجنّن» على ما ذكره هو امس، اضافة الى ان قوى 14 اذار شريك النصف في هذه الدولة، لم تر فيها جديداً يمكن البناء عليه لتقريب المسافات مع 8 اذار التي يعتبر بري انها انتهت ومع ذلك ما زال يضرب بسيفها عند كل مناسبة وطرح.
المناسبة الثالثة، كانت في قداس وذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، حيث القى رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع كلمة وصفت «بالناريّة» «لأن الاوضاع البائسة التي وصل اليها لبنان واللبنانيون لم تعد تحتمل تعمّد اخفاء العلّة ومسبّبها» على ما يقول قيادي في حزب القوات، ولذلك فان جعجع لم يترك موضوعا الاّ وتتطرق اليه وبكثير من الصراحة، معدّداً الاخطار التي اصابت الامن والاقتصاد والسياحة والثقافة والتربية وجميع مرافق الدولة، وعلاقات لبنان مع الدول العربية والاجنبية.
واللافت في خطاب جعجع قوله بأن «الرئيس سليمان لن يرحل» ومن يعمل لرحيله عليه ان يرحل هو، وكأنه كان يكشف عن عمل ما مدبّر لدفع الرئيس سليمان الى التخلّي عن مسؤولياته، الامر الذي لا يمكن ان ينجح مع شخص مثل العماد ميشال سليمان، يتحلّى بصفات شخصية عديدة اولها الايمان، ثانيها الشجاعة، ثالثها الوطنية، اضافة الى التفاف اللبنانيين حوله وحول الرئاسة الاولى.
يبقى اخيرا ان جعجع، بعدما وضع امام اللبنانيين صورة الوضع الداخلي من دون رتوش، استنهض قيادات وجماهير 14 اذار داعيا اياهم الى وعي الاخطار، وشدّ الصفوف، وضخّ العافية في عروق انتفاضة الارز لتكون السدّ في وجه محاولات ابتلاع لبنان.
ثلاث مناسبات، وثلاث كلمات، عكست عمق الخلاف بين 8 و14 اذار من جهة، كما عكست مدى اتّساع الهوّة بين رئيس للجمهورية، يحرص على الدستور والقوانين والصلاحيات المعطاة للمسؤولين بموجبهما، وبين فريق لا يعنى الاّ بمصلحته الخاصة، ولا يهتم الاّ بما يخدم اهدافه.
مواضيع ومواقف ساخنة في ثلاث مُناسبات مُختلفة
المصدر:
الديار