#adsense

جعجع والانتخابات الرئاسية: مقاربة جديدة

حجم الخط

كتب نوفل ضو في صحيفة “النهار”:

تظهر قراءة معمقة لخطاب رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لمناسبة الذكرى السنوية لشهداء “المقاومة اللبنانية”، أن جعجع قرر التعاطي مع انتخابات رئاسة الجمهورية في الربيع المقبل باستراتيجية مختلفة تماما عن تلك التي اعتمدها في تعاطيه مع الإنتخابات النيابية التي لم تحصل في نهاية الربيع الماضي.

فمن حيث الشكل والتوقيت، اعتمد جعجع في الإنتخابات النيابية السياسة التقليدية التي تقول بأهمية إبقاء الترشيحات ورقة مستورة، وبضرورة عدم فتح المعركة باكرا… لكنه في الملف الرئاسي فتح الملف قبل ثمانية أشهر.
أما من حيث المضمون السياسي فيمكن التوقف عند الملاحظات الآتية:
1 – استبدل جعجع “أولوية” التفاهم المسيحي الداخلي حول قواعد اللعبة الإنتخابية النيابية المتمثلة بقانون الإنتخابات النيابية، بالشراكة المسيحية – الإسلامية في مقاربة الإنتخابات الرئاسية. وبالتالي فإن جعجع استبدل التفاهم الطائفي المسيحي الرباعي (جعجع – عون – الجميل – فرنجية) بطرح تفاهم سياسي وطني مع الرئيس سعد الحريري وبقية مكونات قوى 14 آذار.
2 – استبدل جعجع إطار لقاءات بكركي للقيادات المارونية للوصول الى تمثيل مسيحي نيابي صحيح وقوي يضمن التوازن الوطني، بإعادة الاعتبار الى تحالف قوى 14 آذار في مواجهة استحقاق الإنتخابات الرئاسية المقبلة بما يضمن وصول شخصية قوية الى الموقع المسيحي الأول في تركيبة السلطة اللبنانية.
3 – استبدل جعجع سياسة التقاء المصالح الإنتخابية الآنية بينه وبين مكونات سياسية وحزبية وشخصيات وقيادات تقليدية ومناطقية مقتدرة ماليا في نسج التحالفات الإنتخابية المرحلية والعابرة التي اعتمدها في الإنتخابات النيابية، بمقاربة لها أبعادها الوطنية المبنية على قراءة استراتيجية لتطورات الوضعين الإقليمي والدولي.
4 – استبدل جعجع المفهوم الضيق لمصلحة المسيحيين المبني على المحاصصات في تسمية المرشحين وتركيب اللوائح للإنتخابات النيابية، بمفهوم المصلحة الإستراتيجية للمسيحيين المبني على أهمية حضورهم ودورهم ومشاركتهم الفاعلة في صناعة الحاضر والمستقبل من خلال “الربيع العربي”، في مقاربة الإنتخابات الرئاسية.
5 – استبدل جعجع نظرية الإنتخابات القائمة على أولوية إسقاط الخصم ولو من خلال مرشحين لا لون سياسيا واضحا لهم ولا مؤهلات سياسية وعلمية تسمح لهم بتحمل المسؤوليات التشريعية والسياسية التي اعتمدها في الإنتخابات النيابية، بإعادة الاعتبار للمشروع السياسي كعنوان للمعركة الإنتخابية وبالقدرات الشخصية للمرشح ومؤهلاته الفكرية والعلمية والثقافية باعتبارها ضرورة من الضرورات الواجب توافرها في الطامح لخوض الإنتخابات الرئاسية.
لقد سبق للدكتور سمير جعجع خلال التحضير للإنتخابات النيابية أن علّق على أكثر من اقتراح قدم اليه لتبني مرشحين معينين بأن هؤلاء يتمتعون بحس سياسي قوي، وبمستوى ثقافي راق، وبالتزام وطني لا شك فيه، وبأنهم قادرون أن يكونوا بمستوى شارل مالك وفؤاد بطرس لكنهم لا يصلحون لخوض الإنتخابات النيابية … فشارل مالك على الرغم من كل مؤهلاته لم يصل الى الندوة البرلمانية، وفؤاد بطرس بكل ثقافته وحنكته السياسية وقدراته الفكرية سقط أمام ميشال ساسين في الأشرفية.
إن تمسك الدكتور سمير جعجع بهذه المقاربة في الإنتخابات الرئاسية كان يفترض به التسليم برئيس لا علاقة له بالمواصفات التي حددها هو للرئيس المقبل في خطابه. وكان يفترض به التخلي عن المطالبة والعمل من أجل رئيس قوي بحجة أن زعامة ريمون إده ووطنيته وشعبيته في تلك الفترة لم تسمح له بالوصول الى رئاسة الجمهورية. وبأن الياس سركيس المثقف والمتعلم ورجل الإقتصاد والنزاهة سقط في العام 1970 أمام سليمان فرنجيه.
لكن جعجع استبدل هذه المقاربة، وحسنا فعل، بتلك التي سبق للرئيس بشير الجميل ان اعتمدها في العام 1981 عشية الإنتخابات الرئاسية فجعل من الإنتخابات استحقاقا ديموقراطيا مفتوحا على النقاشات والخيارات قبل أشهر، لا تهريبة اللحظة الأخيرة. وجعلها حقا من حقوق اللبنانيين لا مجرد قرار فوقي يسقط من الخارج على الداخل في اللحظة الأخيرة. وفتح بابها واسعا على الراغبين في التنافس ليكشفوا أوراقهم ومشاريعهم بكل جرأة وشفافية بعدما كانت في نظر البعض سمسرات وخبثا سياسيا وطبخات مع السفارات ومراكز القرار وأجهزة الإستخبارات الإقليمية والدولية.
رب قائل، بأن ظروف الإنتخابات النيابية ومتطلباتها تختلف عن تلك المتعلقة برئاسة الجمهورية، وبأن مواصفات النائب تختلف عن مواصفات الرئيس. لكن الواقع أن الوصول الى رئيس قوي يمر حكما بنائب قوي ينتخبه. والرئيس القوي في حكمه يتطلب نوابا أقوياء يقفون الى جانبه خلال عهده.

المصدر:
النهار

خبر عاجل