
كتب بشارة خيرالله في “المستقبل”
لا يبدو منطقياً اتهام رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، عبر إلباسه عباءة ترشيح نفسه في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية من خلال استنساخ الخطاب البشيري وتطويره بما يتناسب مع المرحلة، علماً أن خطاب شهيد الـ10452 ما زال يصلح حتى الساعة، خطاب بشيري يدوم ويدوم ويدوم، لكن أهم ما قصده جعجع، تشديده على ضرورة “لبننة الإستحقاق”، حتى لو كان يعلم أن مراده “غير متوفر حالياً”.
فمواصفات الرئيس القوي بالنسبة للعناوين _ الثوابت التي طرحها جعجع قد تتوافر في أكثر من شخصية مارونية تحظى بإجماع فريق 14 آذار، قد تجدها في أي سيادي مستقل يقبل به جعجع، أو أي قيادي حزبي ملتزم، على قاعدة الفرد الذي يُمثِل وجدان الجماعة وضميرها خير تمثيل بعيداً عن المنطق القاتِل على قاعدة “أنا أو لا أحد” الذي أثبت فشله. وكما في 14 كذلك في 8، فالقوي في 8 آذار ليس بالضرورة أن يكون العماد ميشال عون، القوي إضافةً إلى عون هو من يتبناه عون شخصياً، بالتوافق مع جميع المكونات.
لكن المشكلة ليست هنا، كون المعادلة الحالية والإنقسام العمودي الحاد ما بين 8 و14، لا يسمحان لأي فريق أن يأتي بمرشحه الأول أو الأقوى، فهل يُعقل أن تسأل قواتياً من تريد رئيساً دون أن يجيب دون تردد “سمير جعجع”، وهل تنتظر من العونيّ تأييد غير “ميشال عون” للرئاسة، والحال تسري على “المردة” و”الكتائب” و”الأحرار” و”الكتلة الوطنية” و”حركة الإستقلال” و”حزب التضامن” و”حزب الخضر” و”حزب السلام”.
فلو صحّت تحليلات البعض أن جعجع أراد ترشيح نفسه دون سواه، وهذا ما يبدو تجنياً بهدف حرف الأنظار عن ما تبقى من نقاط مهمة تضمنتها الكلمة المكتوبة، يبقى السؤال الأبرز، “من أين سيأتي بباقي الأصوات النيابية الكفيلة بإيصاله إلى قصر بعبدا في حال ضمن 60 صوتاً من داخل فريقه الحالي طالما ليس هناك إنتخابات نيابية قبل الإستحقاق الرئاسي”، فهل مَن ينتظر مِن نواب “حزب الله” أو “حركة أمل” أو “القومي” أو “البعثي” أو “المردة” التصويت لسمير جعجع أو أي 14 آذاري يُشبهه في تمثيل القوة داخل هذا الفريق، أم يُشبهه في الراديكالية الصارمة المناهضة للنظام السوري الذي كان ولم يزل يُشكل عمود وجودهم الفقري؟ حتماً لا. وهل من ينتظر أن يُعطي العماد ميشال عون الضوء الأخضر لنوابه بأن يصوتوا لصديقه الدكتور سمير جعجع أو من يُسميه؟ قطعاً لا.
وما يصح هنا يصح أيضا هناك، أي كما في 8 كذلك في 14، فهل يُعقل أن يحلم الجنرال الداعم لبشار الأسد والساكِت ـ الموافق على مشاركة “حزب الله” في سوريا، في حال ضَمَن أصوات كل نواب 8 آذار، وهذا ما يبدو مُستحيلاً في الوقت الراهن، أي ما يُقارب الـ59 نائباً، أن ينال بركة “القوات” و”الكتائب” و”المستقبل” ليضمن وصوله إلى سدة الرئاسة؟ قطعاُ لا. هي رئاسة جمهورية وليست رئاسة بلدية، فلو كانت كذلك لكان الحلّ أسهل بكثير، لحظة تُقتسم 3 3 ما بين أقوياء 8 و14، ليتها كذلك.
مفهوم الرئيس القوي تغيّر، فالقوة اليوم تكمن في إقناع وليد جنبلاط، وتكمن أيضاً في القدرة على محاورة الجميع، تكمن في إمكانية زيارة الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والسعودية وإيران ومحاورتها جميعاً، وخير مثال على ما نقول، حال الفريق الشيعي ما بين “عملاق” جماهيري إسمه “حزب الله” تجده قابعاً في شرنقته المحورية، ورئيس مجلس نيابي أقل جماهيريةً لكن قدرته على الإنفتاح الداخلي والخارجي أكبر وأوسع وأشمل بكثير، وإلا لكان رئيس المجلس النيابي من “حزب الله”.
هذه هي المعادلة حالياً ولا تبدو قابلة للتعديل في الأشهر المُقبلة، هي ليست الأفضل لكنها قائمة بفعل التوازنات الداخلية والإقليمية، فمن ينتظر أن يأتي استحقاق العام 2014 برئيس قوي بجمهوره الحزبي فقط أو بفريقه السياسي فقط، كمن ينتظر من العوسج تيناً أو من الشوكِ عنباً، من لم يقرأ في أجندة التمديد النيابي وقيادة الجيش نتيجةً للحرب السورية القائمة والمستمرة يكون لا يريد أن يقرأ، حتى لو حصلت الضربة الأميركية وأتت بأفضل النتائج، لا انتخابات رئاسية في لبنان في العام 2014 طالما هناك “رئيس ساريني” على قيد البقاء في سوريا. ولعل أكثر من يعرف ذلك هو رئيس حزب “القوات اللبنانية” المخضرم في السياسة، ومع ذلك، رفع الصوت عالياً، فكيف يمكن أن ينزلق إلى فخ ترشيح نفسه وهو يعرف تماماً ظروف اللعبة وشروطها، ما قصده جعجع بين سطور خطابه، تصويب المسار لناحية التذكير بالمعايير الأفضل للرئاسة. هذه المعايير الطبيعية التي يتمناها الجميع لكنها مع الأسف لا تبدو قابلة للصرف في المدى المنظور، في زمن يُظلله شبح الفراغ ما يجعل التمديد الرئاسي أو إعادة انتخاب الرئيس نفسه أمراً حتمياً لا مفرَّ منه، هذا طبعاً، في حال قبِل الرئيس الرافض حتى الساعة، تبعاً لشروط جديدة قد تتبلور في الآتي من الأيام وفقاً لتداعيات المرحلة والمستجدات التي لا توحي مهما تبدلت بأن إمكانية انتخاب رئيس بالمعايير التي أرادها البشير وطورها جعجع، قابلة للترجمة.