يُفهم، مع أسف، أن تكون القراءة الإعلامية للسياسة عند أهل الممانعة في منطقتنا أسيرة للالتزام المحوري لكاتبها أو قائلها. وأن تكون المعلومة الصحيحة واحدة من أبرز الضحايا. وتحوير الوقائع جزءاً من عدّة التعبئة والتوجيه والحرب بأشكالها غير النارية. ويُفهم مع أسف، أن يتدنى مستوى اللغة وينحط الى درك الشتيمة والرخص والابتذال، وأن “تنهض” فوق ذلك الركام لغة التزوير، وأن تستبدل المقصلة الكتابية التخوينية ملكة الجدال المستند الى العقل والحجّة الواضحة والمحترمة… وأن يكون بعض الإعلام الممانع أسير مفارقة مؤلمة مفادها المختصر مقاربة القضايا المقدّسة (المقدّسة فعلاً) بلغة مسفّة ورخيصة. والهموم والتحديات الكبرى ببيان تعوزه الرفعة والهيبة والاحترام الجليل لعقل المتلقي.
… بيان الغريزة والحقد والشتم والتخوين والتهديد لا يتناسب في الإجمال، مع التنطح المستدام لمواجهة “قذارات” التآمر الغربي على العرب والمسلمين! ولا على بنيانهم وتراثهم الإنساني العظيم: الواثق لا يزوّر. وصاحب الحق لا يفتري ويشتم. والمؤمن بنبل قضيته لا يعربد بلغة سوقية شارعية. والمقتنع بصواب حقه لا يلجأ الى الغريزة الأولى(؟) والمظلوم أو الذي تركبه عُقدة الظلم لا يحاكي الشياطين في أدائه بل الملائكة. والباحث عن مقاتلة اسرائيل، لا يفعل كل ما تطلبه وتشتهيه وتتمناه! والذاهب الى “الدفاع عن الأمة ومصالحها” لا يدمّر تلك الأمة بالفتنة ولا يفتك بأهلها فتك الكواسر والضواري، ولا يوفر في ذلك حتى أسلحة الدمار الشامل!
يُفهم مع أسف، أن يكون الإعلام الأسدي الممانع في مقدم صفوف التيه وأن يكون ابن ساعته، وهي الساعة العجيبة التي صار فيها بشار صنواً لتدمير وإحراق دولة مثل سوريا! لكن ما لا يُفهم، لا في الكبيرة ولا في الصغيرة. ولا في الإجمال ولا في التفصيل. ولا في السياسة ولا في التأريخ، أن يأتي مخضرم مثل مستر هيكل، عرك الدنيا وخبرها وشارك في الكثير من يومياتها المفصلية، ليتحدث مثل شبيح إعلامي مبتدئ لا يعرف التفريق بين “العصابات الإرهابية المسلحة” وثورة شعب سوريا! ولا يعرف التمييز بين حقيقة أن نظام بشار الأسد لم يطلق رصاصة واحدة باتجاه اسرائيل وحقيقة أنه لا يترك سلاحاً إلا ويستخدمه ضد السوريين! ولا يعرف الفارق “البسيط” بين الطريق المؤدية إلى الجولان المحتل وتلك المؤدية الى الغوطتين أو حمص أو القصير!!
… “مخضرم” راكم من التجارب ما يكفي جيلاً كاملاً. يُقرر في خريفه أن يُصَابَ بالحول تجاه سوريا مثلما كان ولا يزال مصاباً بالحول تجاه لبنان ودول الخليج العربي، وأن يفتك بالحقيقة ببيان الحقد. وأن يهين سوريا وشعبها مرتين تحت ضوء الشمس: مرة لأنه يعتبر الثورة “تآمراً غربياً تقوده عصابات إرهابية”! ومرة لأنه يعتبر بشار الأسد صنو المقاومة المطلوب رأسها!
يقول مخضرمون عن “المخضرم” إنه يرتكب على الدوام تلك اللعبة المهينة: يخلط أحقاده بالحقائق. ويُخضِع التأريخ لهواه ونزعاته! مصاب بعقدتين تتحكمان بوعيه ولا شفاء منهما: الأولى, تجاه لبنان الكيان والجغرافيا والدور والإعلام! والثانية, تجاه دول الخليج العربي وتراثها الإسلامي والعروبي الذي لا يُقارن!
في كلامه بالأمس معضلة أخلاقية توازي التسطيح السياسي المقصود الذي اعتمده: ولا كلمة عزاء واحدة تجاه شهداء المجزرة الكيماوية في الغوطتين! بل ولا حتى كلمة عزاء أو أسف واحدة تجاه شهداء سوريا، في الإجمال وتدمير بنيانها، ونكبة أهلها.
.. “أستاذ” نعم! لكن في التحريف والتخريف، ولا شك في ذلك!