رأى مسؤول أوروبي بارز معني بالملف السوري أن الصراع بين اميركا وروسيا وفشل الدولتين في تطبيق التفاهمات التي أنجزتاها في مفاوضاتها السرية أوصلا الأزمة السورية الى مرحلة المواجهة العسكرية المؤجلة الى النصف الثاني من أيلول الجاري بعدما طلب الرئيس باراك أوباما من الكونغرس الموافقة على توجيه ضربة عسكرية الى نظام الرئيس بشار الاسد رداً على استخدامه الاسلحة الكيميائية في ريف دمشق. واوضح ان الادارة الأميركية اتفقت مع القيادة الروسية على مسألتين أساسيتين هما:
أولا: التعاون الجدي في ملف الأسلحة الكيميائية من أجل منع استخدامها وانتشارها في سوريا. وضمن هذا الاطار قدمت القيادة الروسية الى ادارة أوباما تعهدات رسمية تضمن عدم استخدام النظام الأسلحة الكيميائية في الصراع الداخلي أو ضد أي دولة أخرى، كما تضمن بقاء مواقع هذه الأسلحة خاضعة لحماية السلطات السورية من أجل منع القوى المعارضة من السيطرة عليها. والواضح أن المسؤولين الروس حصلوا من القيادة السورية على تأكيدات رسمية في هذا الشأن. لكن المسؤولين الأميركيين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة بعد الهجوم الكيميائي في ريف دمشق اذ أن القيادة الروسية لم تحترم تعهداتها ورفضت محاسبة نظام الاسد واصدار قرار عن مجلس الامن تحت الفصل السابع يدين هذا العمل ويسمح ضمناً باستخدام القوة العسكرية ضد النظام لمعاقبته، بل انها اتهمت المعارضة السورية بتنفيذ هذا الهجوم.
ثانياً: التعاون على أساس أن حل الازمة السورية يجب أن يكون سياسياً تفاوضياً وليس عسكرياً وأن يرتكز على التطبيق الكامل لبيان جنيف المؤرخ 30 حزيران 2012 والذي شارك الأميركيون والروس في صوغه ووافقت عليه كل الدول المعنية باستثناء ايران، وهو يدعو الى تأليف حكومة انتقالية تضم ممثلين للنظام وللمعارضة على أساس قبول متبادل تملك وتمارس الصلاحيات التنفيذية الكاملة وتخضع لها الأجهزة العسكرية والأمنية وتشرف على قيام نظام جديد ديموقراطي من طريق انتخابات تعددية حرة وشفافة في رعاية الوسيط الدولي – الاقليمي والدول المؤثرة، مما يعني ضمناً تخلي الاسد عن صلاحياته ومسؤولياته. لكن القيادة الروسية رفضت اتخاذ أي خطوة عملية من أجل تنفيذ اتفاقها مع ادارة أوباما اذ أنها عارضت اقتراحاً أميركياً يقضي باصدار قرار عن مجلس الامن تحت الفصل السابع يلزم الاسد والأفرقاء السوريين الآخرين تطبيق بيان جنيف، كما امتنعت عن ممارسة أي ضغوط حقيقية على الرئيس السوري من أجل دفعه الى تنفيذ عملية نقل السلطة الى حكومة انتقالية تمهيداً لقيام نظام جديد ديموقراطي تعددي.
وأضاف المسؤول الأوروبي أن هذا الفشل الأميركي – الروسي سمح للاسد بمواصلة حربه وتصعيدها واستخدام السلاح الكيميائي المحظور دولياً مما دفع ادارة أوباما الى التحرك بمعزل عن موسكو واتخاذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية الى النظام السوري. وذكر “ان موسكو تدعم نظام الاسد لكنها في الوقت عينه تؤيد رحيله وقيام نظام جديد مختلف جذرياً عنه بالتفاهم مع اميركا والدول الغربية والاقليمية المؤثرة. هذا الموقف الروسي مرده الى ان موسكو تستخدم نفوذها في سوريا من أجل تعزيز موقفها التفاوضي مع واشنطن وانجاز تفاهمات معها على قضايا عدة وليس من أجل انقاذ الاسد وخوض مواجهة مع الاميركيين بالتحالف معه ولو تعرّض لضربة عسكرية غربية. وتدرك موسكو ايضاً انها عاجزة عن فرض حل روسي – اوروبي – ايراني للأزمة السورية بل انها تحتاج الى التعاون الوثيق مع الدول المعادية للنظام وعلى رأسها اميركا من اجل انهاء الحرب وانقاذ ما تبقى من سوريا وتحقيق بعض المكاسب، وتعلم ان ثمن التعاون الاميركي – الروسي هو رصيد الأسد والمرتبطين به وتغيير نظامه. هذه الحسابات والاقتناعات تجعل القيادة الروسية تؤكد في محادثاتها مع مختلف الأطراف انها تدعم التطبيق الكامل لبيان جنيف وتتمسك بالتفاهم الذي انجزته مع واشنطن والذي ينص على عقد مؤتمر دولي مهمته العمل على تطبيق بيان جنيف الذي يحدد خريطة طريق واضحة ومفصلة من أجل قيام نظام جديد في سوريا مقبول لدى كل مكونات الشعب السوري”.
وخلص المسؤول الأوروبي الى القول: “المشكلة ان القيادة الروسية لم تنتقل الى مرحلة تنفيذ تفاهماتها مع واشنطن لأنها لم تنجز الصفقة المتكاملة مع ادارة أوباما والتي تشمل قضايا ثنائية واقليمية ودولية عدة”.