كتب نوفل ضو في صحيفة “الجمهورية”:
كثيرون، وأنا واحد منهم، شبَّهوا في الشكل والمضمون خطاب رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع في ذكرى شهداء «المقاومة اللبنانية»، بخطاب القائد المؤسس لـ«القوات» الشيخ بشير الجميّل في الذكرى الخامسة والأربعين لتأسيس حزب الكتائب اللبنانية في 29 تشرين الثاني 1981، لا سيما لناحية المواصفات المفترض توافرها في رئيس الجمهورية سنة 2014.
فما جاء على لسان جعجع قبل أيام بقوله: “لن نكون هذه المرة مجرّد لاعبين عاديّين في انتخابات الرئاسة بل سنضع نصب أعيننا إعادة رئاسة الجمهورية الى وهجها”، جاهر به بشير الجميّل قبل 32 عاماً بقوله: بحق وفخر وجرأة نهتم بانتخابات رئاسة الجمهورية المقبلة، ونعلن منذ الآن أنّ البلاد تحتاج رئيساً قوياً وتلفظ رئيساً ضعيفاً، وحريّ بالأشخاص الذين لا تنطبق عليهم صفات رجال الإنقاذ، أن لا يتسلَّلوا بأسمائهم الى لائحة المرشحين”.
فإذا كان موقفا بشير الجميّل وسمير جعجع يتطابقان الى حدٍّ بعيد في الشكل والمضمون، فإنّ ما يستحق البحث هو: هل أنّ الظروف السياسية المحلية والإقليمية والدولية متطابقة بما يسمح بالوصول الى النتيجة ذاتها التي تحقَّقت بانتخاب بشير الجميّل رئيساً للجمهورية في العام 1982؟
إنّ قراءة مقارنة لهذه الظروف تسمح بتسجيل الملاحظتَين الآتيتين:
1 – لقد كان المسيحيّون عموماً، وبشير الجميّل خصوصاً، في العامين 1981 – 1982 رأس الحربة في المواجهة مع منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا اللتين كانتا – ولو من موقعَين مختلفين – تسعيان الى وضع اليد على لبنان بأرضه وقراره السياسي لتوظيفه ورقة في خدمة سياساتهما الإقليمية والدولية. وعندما توافرت الظروف الإقليمية والدولية التي أدت الى توجيه ضربة عسكرية الى الفلسطينيين والسوريين في لبنان، كان بشير الجميّل ببيئته المسيحية وتركيبته الحزبية والسياسية جاهزاً لتولي القيادة من خلال رئاسة الجمهورية.
2 – إنّ لبنان سنة 2013، عشيّة الإنتخابات الرئاسية المفترض حصولها في ربيع 2014 يعيش في ظلّ محاولات مستمرة يتولّاها التحالف السوري – الإيراني لوضع يده على الأرض اللبنانية،. لكنّ طبيعة الصراع اليوم تجعل من المسيحيين لاعتبارات بعضها على علاقة بنظرتهم الى دورهم ومستقبلهم في الصف الثاني من المواجهة في أحسن الأحوال. فالطائفة السنّية هي التي تشكل رأس الحربة في مواجهة المشروع الإيراني – السوري في لبنان والمنطقة اليوم امتداداً للمحور العربي الواسع الذي يواجه المشروع الإيراني. وبالتالي فإنّ توافر الظروف الإقليمية والدولية التي يمكن أن تسمح بتوجيه ضربة الى المشروع السوري – الإيراني لا يعني أنّ المسيحيين اللبنانيين هم بالضرورة من سيَقطف الثمار السياسية للتحولات المرتقبة، لأنّ موقع القيادة ليس في يدهم هذه المرة.
ومن دون أن تعني استعادة المسيحيّين موقعهم السياسي الوطني من خلال رئيس للجمهورية قوي وقادر، انتقاصاً من دور المسلمين، سنّة وشيعة ودروزاً في تركيبة الحكم في لبنان، فإنّ الشرط الاساسي لوصول رئيس للجمهورية بالمواصفات التي حدَّدها الدكتور سمير جعجع ومن قبله الرئيس بشير الجميّل، يتطلب من المسيحيين استعادة موقعهم ودورهم والانخراط المدروس والمتأنّي ولكن الحاسم والواضح، بحسب إمكاناتهم، في المواجهة مع المحور السوري – الإيراني، خلافاً لنظرية المراقبة عن بعد للثورات العربية او لنظرية تخويف الرأي العام المسيحي اللبناني والعربي من “الربيع العربي” ونتائجه، أو لنظرية تحالف الأقليات المسيحية – الشيعية – العلوية في مواجهة الأكثرية السنّية السائدة في أوساط كنسية وسياسية وحزبية عدة.
وقد بدا واضحاً من خلال “خريطة الطريق” التي تضمَّنها خطاب جعجع أنّه يسعى الى “تصحيح الرماية” بالعودة الى التركيز على أهمية الدور المسيحي في الربيع العربي بعد أكثر من سنة على انكفاء المسيحيّين، كنيسة وأحزاباً وقيادات سياسية، الى رهان الإفادة من الصراع السنّي – الشيعي لتعزيز الدور المسيحي في تركيبة السلطة في لبنان من جهة، والى التنافس على الأحجام السياسية لكل فريق مسيحي في إطار لعبة السلطة المحلية من جهة مقابلة.
تبقى الإشارة الى أنَّ ما حققه بشير الجميّل في العام 1982 كان بمواكبة فريق عمل محترف، ورجال تاريخيّين كالشيخ بيار الجميّل والرئيس كميل شمعون والأباتي بولس نعمان، وشارل مالك، وفؤاد افرام البستاني، ومفكّرين وقادة رأي ومخططين قادوا المسيحيين في مواجهة التحولات والتطورات… وتغييب مثل هؤلاء اليوم نقطة ضعف تحتاج الى معالجة.