#adsense

أيها اللبنانيون.. اتحدوا

حجم الخط

 

“واعرفنا من سبب جراحنا واعرفنا رحنا والتقينا
عمال وفلاحين وطلبة، دقت ساعتنا وابتدينا
نسلك طريق مالوهش راجع والنصر قرب من أيدينا”
(أحمد فؤاد نجم)

كان كارل ماركس وفريديريك انجلس يريان تاريخ البشرية بأنه مبني على صراع الطبقات وبأن طبقة “البروليتاريا”، أي العمال المنتجون، هم الأحق بإدارة العالم لأنهم الأكثرية المسؤولة عن رفاه وتقدم البشرية، وعلى عاتقهم ستبني الجنة المشاعية أو “اليوتوبيا”.

بعدها ذهب ماركس إلى البلد الأكثر أهلية لقيام حكم “البروليتاريا” وهو انكلترا على أساس أنها الدولة الأكثر تقدماً في الصناعة في أيامه وبقي ينتظر إلى أن مات مقهوراً ومهملاً ولم تأتِ الثورة ولو سئل يومها عن رأيه في الأوضاع في روسيا لكان أكد أن تلك الامبراطورية الإقطاعية بعيدة لقرون عن الثورة العمالية. مع ذلك فقد كسر فلاديمير لينين القواعد العلمية التي وضعها أستاذه وانتصر في روسيا.

العبرة هي أنه بناء على المنطق الجدلي، والذي هو الركيزة العلمية الأساسية للفكر الشيوعي، فإن النتائج يمكن توقع بعضها ولكنه لا يمكن التنبؤ بها بشكل حاسم ودقيق على طريقة “الحتمية التاريخية” التي ادعاها ماركس.

لا يخفى على أحد من أصحاب الفكر المتنور، وحتى من اعترف بأن صراع الطبقات كان قد حكم فترة من تاريخ البشرية ولكن يرفض في الوقت نفسه منطق الحتميات التاريخية، بأن الرأسمالية التي حكمت معظم القرن التاسع عشر فمعظم القرن العشرين هي وحش مفترس لا رحمة عنده.

ولكن الحقيقة الأساسية هي أن العالم اليوم محكوم بتفاعل جدلي بين مختلف فئات المجتمع بحيث تمكنت الطبقات الأقل دخلاً من انتزاع الكثير من المكتسبات الاجتماعية والاقتصادية، وبالمقابل فقد اقتنع معظم رأس المال بأن تقاسم الثروات هو السبيل الوحيد الذي يؤمن الاستقرار وبالتالي توسيع قاعدة الإنتاج والاستهلاك.

لا يمكن بالطبع الافتراض بأن العالم الذي يسمي نفسه “ليبرالياً” قد وصل إلى سر الكأس المقدسة، ولا يمكن لأحد أن يقول إن التوازن الاجتماعي قد تحقق لدرجة ستؤدي إلى “يوتوبيا ليبرالية”، ولكن المؤكد هو أن منطق صراع الطبقات كما وصفه ماركس أصبح مجرداً من النظريات الكثيرة التي انضمت إلى الأدبيات الفلسفية، وأن الاستقرار والتوازن بين الفئات هو الهدف الأفضل في أيامنا هذه.

عن الحراك الاجتماعي في لبنان
في البداية لا بد من التنويه بحيوية المجتمع اللبناني وقدرته على التجمع ولو بشكل استثنائي حول قضية مشتركة هي اليوم الوضع المعيشي والاقتصادي المتدهور. الواقع هو أن مسألة الوضع المعيشي لا يمكن فصلها عن الوضع الاقتصادي فلم يعد بالإمكان، في معظم دول العالم، الاكتفاء بطباعة الأوراق النقدية وتوزيعها على الموظفين والمواطنين وصرف الموازنات على الإنماء والتعليم والطبابة من دون مداخيل واضحة وصريحة من الضرائب في ظل عدم وجود موارد طبيعية كقيمة مضافة على عجلة الإنتاج.

أما الضرائب فلا يمكن جنيها من الطبقات الأقل دخلاً، بل يجب أن تعتمد على الحراك الاقتصادي وحركة رؤوس الأموال والمغامرات الاقتصادية الرأسمالية المحسوبة المخاطر التي تعطي فرص عمل وتنمي قدرات الناس على الاستهلاك وتوسع بالتالي الإنتاج. كلها عوامل مترابطة ولا يمكن تجزئتها وكلها تحتاج إلى الاستقرار الأمني وحصرية القرارات السيادية في يد الدولة لتتمكن من التخطيط، ولو بشكل مبدئي، لإدارة الإنماء على مختلف المستويات.

هذا يعني حتماً أن المتضرر في لبنان اليوم هو كل الناس وبغض النظر عن طبقاتهم وفئاتهم الاجتماعية والدينية والمذهبية، وكلهم أيضاً عدوهم واحد هو عدم الاستقرار الأمني أو بالأحرى غيابه، أو الأصح القول فقدان الدولة القدرة على إدارة الشأن الأمني والعسكري وبالتالي احتكار استخدام العنف الردعي في سلطة واحدة.

جميل أن تتوحد الفعاليات الاقتصادية مع النقابات المتعددة لترفع الصوت اليوم مطالبة بالإنقاذ، وجميل أن أسمع أكثر القادة اليساريين شعبوية يتجنبون إطلاق الشعارات الخشبية حول الاحتكار والاستعمار والرأسمالية كتعبير عن صرامة الموقف وتفهمهم بأن المشكل ليس اليوم عند الرأسمالي “المجرم”. ولكن ما هو غير مفهوم هو الاستمرار الجبان أو الغبي أو المنافق، في سياسة وخطاب الأكثرية الساحقة من المحتجين واستمرار الكثيرين منهم في ترداد ببغائي بأن و آذار مسؤولون بالتساوي، وقد يكون بعضهم مقتنعاً بهذه المقولة الجائرة ولكن بالتأكيد أن كثيرين منهم منافقون ويريدون مسايرة الجناة خوفاً من بطشهم.

آذار تحملت الكثير من النكسات السياسية واللوم من قبل قواعدها على تخاذلها، واتهمت أيضاً بعقد الصفقات من أجل البقاء في الحكم، وكل ما سعت إليه هذه القوى هو تأمين الاستقرار بحده الأدنى ضناً بمعيشة الناس واقتصادهم، أما من كان يبتز الناس والدولة فهو كل من تبع منطق 8 آذار أو حزب الله تحت شعار الممانعة.

لقد آن الوقت لنقول للبنانيين بكل فئاتهم اتحدوا في مواجهة من ضرب كل قواعد الاستقرار وتسبب بانهيار الدولة والأمن والاقتصاد وبتردي الحالة المعيشية في سبيل تحقيق أسطورة ما ورائية تشبه حلم ماركس باليوتوبيا.

من المهم اليوم وضع الإصبع على الجرح والقول إن الخروج من الواقع الخطير الذي نعيشه هو تماماً بتوجه الجميع للقول إن سياسة ربط لبنان بمصير الممانعة والتمادي في الأحلام والأساطير والإصرار على جعل هذا البلد الصغير يدفع ثمن مغامرات عسكرية هو سبب تردي الوضع إلى حدود الإفلاس التام، والأخطر هو أن المؤشرات تقول بوضوح بأن الأمور لن تقتصر على الخراب الاقتصادي بل قد تؤدي أي دعسة ناقصة أو مغامرة مشابهة لمغامرات الحزب المعصوم في سنة ستؤدي حتماً إلى استحضار الكارثة من جديد.

أيها اللبنانيون بكل فئاتكم وطوائفكم ومذاهبكم وأحزابكم اتحدوا على كلمة سواء فالخطر ليس مجهول الأسباب، والحل ليس مستحيلاً ولكن يحتاج إلى قول كلمة حق في وجه الظالم.

 

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل