كتب محمد مزهر في صحيفة “اللواء”:
هل تكفي التطمينات التي أطلقها رئيس لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الايراني علاء الدين بروجردي، أمام المسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم في العاصمة بيروت وعلى رأسهم رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان، ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي، ورئيس الحكومة المكلّف تمّام سلام، في تجنيب لبنان تداعيات الضربة الأميركية التي باتت قاب قوسين أو أدنى، بعدما صادقت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي بغالبية عشرة أصوات عليها؟ أم أنّ ما قاله بروجردي عن حرص الجمهورية الإسلامية في إيران على تحييد لبنان عن تداعيات الضربة العسكرية، وضرورة ممارسة اقصى درجات ضبط النفس، وعدم الانجرار إلى مواجهة اقليمية، بحيث تعهدت القيادة الإيرانيّة بأن لا طهران ولا «حزب الله» سيتدخلان عسكرياً في حال حصول الضربة إذا لم تدخل إسرائيل على خط المواجهة، هو مجرّد مناورة لا تعكس بطبيعة الحال تصريحات المسؤولين الإيرانيين العالية النبرة وعلى رأسهم المرشد السيّد علي الخامنئي الذي كان هدد بإشعال المنطقة بأسرها في حال تعرّضت سوريا لإعتداء خارجي؟.
تقول المعلومات المتوافرة لـ «اللواء»، في هذا الصدد إنّ الرئيس سليمان الذي ثمّن الكلام الذي سمعه من بروجردي، طالب من جهة أخرى بضرورة تحييد لبنان فعلا وليس فقط قولا عن تداعيات الأزمة السورية، ولم يتوانَ عن إبلاغ المسؤول الإيراني بوجوب الضغط على «حزب الله» بما تمتلك إيران من قدرة تأثير عليه بالخروج من سوريا والعودة إلى لبنان والإلتزام بسياسة النأي بالنفس التي قرر لبنان منذ بدء الأزمة السورية انتهاجها لتجنّب تداعياتها، وأكّد أنّ أحد مفاتيح الحل لبنانياً تكون في تسهيل تشكيل الحكومة وإعطاء الضوء الأخضر للحزب بالتخلّي عن شروطه، بما يؤدي إلى إقناع الطرف الآخر أي قوى الرابع عشر من آذار بالتخلّي كذلك عن شروطها التي من أهمّها رفض مشاركة «حزب الله» في الحكومة بسبب قتاله إلى جانب النظام السوري، ويساهم في نهاية المطاف في ولادة الحكومة التي باتت إلى مطلب لبناني ضروري.
وفي حين تربط أوساط سياسية مطلعة، بين كلام بروجردي والتحوّل السياسي الحاصل في طهران على خلفيّة وصول الشيخ المعتدل حسن روحاني إلى سدّة الرئاسة، وبالتالي الرغبة الإيرانية في انتهاج سياسة خارجيّة جديدة مع الغرب، خصوصا في ما يتعلّق ببرنامجها النووي، فإنّ وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناظم الخوري، شدد على وجوب تحييد كافة الفرقاء السياسيين بمن فيهم «حزب الله» لبنان عن الصراعات الخارجيّة، وبعدم استعمال الساحة اللبنانية كمنصّة للرد على الضربة الغربية المحتملة على سوريا، نظرا للتداعيات الكارثية التي سيتكبّدها لبنان على جميع الصعد السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعية، مطالبا الحزب وباقي الفرقاء اللبنانيين المشاركين مباشرة في الحرب السورية بالعودة فورا إلى لبنان والإنسحاب من سوريا، على اعتبار أن لا مصلحة لبنانية ولا تأثير للبنان واللبنانيين في تلك الحرب الكونيّة.
من هنا يرى خوري أن الكلام الذي نقله بروجردي، من قبل القيادة الإيرانية إلى الرئيس ميشال سليمان، حول الرغبة بتجنيب لبنان تداعيات الضربة العسكريّة يعدّ مؤشّرا إيجابيا في حال تمّ الإلتزام به «خصوصا وأنّ «حزب الله» في هذه الحالة لن يتصرّف خارج الإرادة الإيرانية التي يرتبط فيها ارتباطا عضويّا»، أمّا في حال كان الكلام الإيراني مجرّد مناورة يضيف خوري فإنّ ذلك معناه إدخال لبنان في مغامرات جديدة «المستفيد الأوّل والأخير منها إسرائيلي، التي تتحيّن الفرصة ليس فقط لضرب «حزب الله» بل لضرب لبنان وبناه التحتيّة وإقتصاده، ولصيغة العيش المشترك التي يتأذّى منها الكيان الصهيوني القائم على العنصريّة».
ولكن، رغم التعويل على «حكمة» الإيرانيين بعدم توريط لبنان وجرّه إلى الحرب الإقليمية، ما تزال هناك شكوك كبيرة حول مصداقيّة القيادة الإيرانيّة في هذا المجال، ولذلك يعتبر الوزير الخوري أنّ «اللبنانيين مدعوون إلى انتهاج أقصى درجات الوعي، خصوصا وأنّ هذه المرحلة بالنسبة إلى لبنان واللبنانيين باتت مصيريّة وأكثر من خطيرة، وإذا لم تتداركها القوى السياسية فحتما أحد أهم الضحايا سيكون الصيغة اللبنانية والنظام اللبناني».
وإزاء ذلك، وانطلاقا من مرحلة التفويض التي منحت إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما لتنفيذ الضربة العسكريّة والتي لن تتجاوز الثلاثة أشهر في حدّها الأقصى، فإنّ لبنان خلال هذه الفترة سوف يسير فوق صفيح ساخن وفق ما يقول خوري الذي يجدد الدعوة إلى الفرقاء السياسيين بالعودة فورا إلى الحوار وتلبية دعوة الرئيس سليمان بهذا الإطار وبتسهيل تشكيل الحكومة «وإلاّ في هذه الحالة سيجد اللبنانيون أنفسهم في المكان الذي لا يريدونه، إذ من الغباء أن يذهب اللبنانيون بأرجلهم إلى الإنتحار في ظل العواصف الهوجاء الحاصلة في المنطقة».