|
|
ثمة تلوث لفظي ساد الساحتين العربية والدولية. فلدى الحديث عن الضربة العسكرية التي تعتزم القيام بها أميركا وتحاول حشد لها الدعم الدولي، شاهدنا عددا» من الدول و»القادة» السياسيين والروحيين والأحزاب والإعلاميين يتحدثون، عن قصد أو دون قصد، عن ضربة على سوريا.
فماذا يعنون بسوريا؟ هل يعنون سوريا-الوطن أو سوريا-الدولة أو سوريا-الأسد؟؟!! لا شك أن بعض المسؤولين العرب تقصدوا إستخدام هذا الإلتباس، فإذا لم يكن للدفاع عن الأسد أو لتحييد أنفسهم، فلإتخاذ مواقف ضد الضربة تقيهم «المزايدات الشعبوية القومجية» المتأتية من زمن مر عليه الزمن!
وإذ أعلنا ونعلن دعمنا للثورة المصرية الثانية، ثورة 30 يونيو، وهي بالمناسبة ثورة شعبية مدعومة من الجيش ضد طغيان الإخوان المسلمين (وهم للأسف بدو وكأنهم مع الديمقراطية لمرة واحدة!) وليست إنقلابا» عسكريا» كما يحلو للبعض تصويره، لا نوافق إطلاقا» على موقف مصر الرسمي من الوضع السوري والذي يدعو إلى حل سياسي ليس إلا، ذلك أن هذا الموقف يصب موضوعيا» في إتجاه حماية الحكم الأسدي ويساهم في تشجيع هذا الأخير بالإسترسال بعملية قتل الشعب السوري.
وإذ نتفهم غضب السلطات المصرية من تصرف بعض الإدارة الأميركية التي تماهت مواقفها مع مواقف الإخوان و»دعمتها»، لا يمكننا فهم أن تتماهى مواقف مصر مع الحكم الأسدي بحجة الموقف الأميركي أو بسبب «وحدة الحال بين مصر-الثورة وسوريا-الأسد بمواجة التيارات الإسلامية أو بحجة أي مصوغ آخر. فمصر-الثورة ليس لها إلا أن تكون بشكل واضح لا لبس فيه إلى جانب سوريا-الثورة في مواجهتها أهم طاغية في الشرق إن لم نقل في العالم.
ومصر-الدولة الوازنة، لا بل الأوزن ديمغرافيا»، سياسيا» وعسكريا» في العالم العربي، لا بد أن تتناغم مواقفها مع مواقف حلفائها الدول الخليجية الأوزن إقتصاديا» وماليا» والأوضح بدعمهم لسوريا-الثورة، بهدف تظهير موقف عربي موحد وذات شأن يعيد مركز الثقل في الشؤون العربية إلى العرب ذاتهم في ظل «تدويل الأمر الواقع» للوضع السوري و في وجه محاولات إسرائيل وإيران وتركيا لجعل المنطقة العربية ملعبا» لخلافاتهم وإقتطاع كل منهم مناطق نفوذ له.
أما الأزهر الشريف، فقد إعتبر الضربة موجهة ضد العالمين العربي والإسلامي، مساهما» عمليا» بذلك بمحاولة ردع الغرب عن ضرب سوريا-الأسد مظهرا» صورة للعالمين العربي والإسلامي وكأنهما معاديين لغرب لا يستهدف إلا إخضاعهما لمشيئته، وباعثا» برسالة إلى القادة الغربيين وخاصة الأميركيين، مفادها أن الضربة سوف تعزز لدى العرب والمسلمين مشاعر العداء لهم. للأسف، هذا بالضبط ما يروجه الحكم الأسدي، ومبتغاه من هذا الترويج هو التأثير على الرأي العام الأميركي والكونغرس لإجهاض قرار الضربة ضد سوريا-الأسد!
كلامي هذا ليس موجها» ضد الأزهر الشريف معاذ الله، وهو المرجع الإسلامي الأول، والذي نجل ونحترم، ولا سيما لشجاعته ورشده في إنتاج الوثيقتين التاريخيتين اللتين شكلتا تحولا» نوعيا» في مسار الإسلام للتأكيد على إمكانية تأقلمه مع ماهيات القرن والواحد والعشرين على خلاف فالإسلام المتزمة للتيارات الإسلامية المتشددة، إنما للفة نظره بتواضع، لإمكانية إستغلال موقفه النقي هذا بإتجاه معاكس لما يبتغيه.
والمؤسف أيضا» أن نرى السيد محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية يقف ضد الضربة بالرغم من إدانته لإستعمال الكيماوي دون أن يحدد من إستخدمه. أهكذا يتم «تحييد» الفلسطينيين عن الصراع في سوريا؟ ولماذا إذاً» يتوجب على العالم العربي، شعوبا» ودولا» ومسؤؤوليين، دعم الشعب الفلسطيني في مطالبه المشروعة لإقامة دولته في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس؟؟!!
لا أريد أن أتطفل على شأن لا يعنيني مباشرة. غير أنني، من موقع الأخوة التي تريد خيرا» للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية كافة، أعتبر أنه كان من الأجدى بالقيادة الفلسطينية إلتزام الصمت وسياسة النأي بالنفس.
وبالعودة إلى لبنان، فموقف الدولة الرسمي هو النأي بالنفس الذي ترجم بشكل ملتوي بموقف ضد الضربة والإحجام عن دعم البيان المعتدل، لا بل المائع، الذي صدر عن إجتماع جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية. التفسيربسيط: الدولة اللبنانية واقعة تحت تأثير ميزان القوى الطابش لمصلحة سلاح حزب الله.
أما اليوم، وبالرغم من تصنيف إسرائيل في خانة الأعداء بالنسبة للعالم العربي بشكل عام وبالنسبة للبنان بشكل خاص، إلا أن المشكلة الرئيسية التي تتطلب حلا» جذريا» لأنها تدفع بالأوضاع إلى المس بسلامة وإستقرار وأمن المنطقة والعالم هي المشكلة السورية، ليس فقط من زاوية شعب يستشهد من أجل التخلص من طاغية ومن أجل تحقيق حريته وصيانة كرامته الإنسانية، إنما أيضا» من زاوية صراع حياة أو موت تخوضه إيران الإسلامية بتحالفها العضوي مع حزب الله والإستراتيجي مع الحكم الأسدي الذي حواته مؤخرا» إلى مجرد آداة في يدها، صراع تريده إيران كاسر للتوازن الدولي والإقليمي، تحقق من خلاله تقدم نوعي في مشروعها «الإسلامي» الخاص بها وفي وضع يدها على المنطقة بأسرها!
ولما كان هذا هو حجم القاضايا التي يطرحها الوضع السوري، فإن مواقف الأطراف جميعها في لبنان والمنطقة والعالم، باتت مصيرية بالنسبة لكل منهم.
الضربة ليست على سوريا بل على الحكم الأسدي في سوريا وسوف تكون نقطة تحول في الصراع ليس فقط في سوريا، إنما في المنطقة. وهي واقعة لا محالة. وعلى الكل مراجعة حساباتهم.
والأسوء في هذه الحال أن يكون المرء مع الشيء وعكسه في آن معا»!