ما خرج ويخرج من طهران على مدار الساعة يحمل ما يكفي من مؤشرات معاكسة (للأسف!) لتنظيرات الأبواق الأسدية في بيروت ودمشق… وفي بيروت أكثر من دمشق! والتي تتوعّد الأميركي بالسحق والمحق، والمنطقة برمتها بالاشتعال، بل والعالم بأسره بالذهاب إلى حرب دولية ثالثة… على ما “لمّح” فيصل المقداد، نائب وليد المعلم ما غيرو!
والسؤال الأكثر إلحاحاً من “موعد” الضربة الأميركية و”مداها” و”أهدافها” الأخيرة، هو ذلك المتصل بالموقف الإيراني واستطراداً بموقف “حزب الله”. وفي محاولة الجواب، لا مفاجآت تذكر. بل في واقع الحال، لا احتمال لأي مفاجآت أو استطرادات… أما الباقي فهو جزء من عدة تعبوية مألوفة وتنم في أول الأمر وآخره، عن حالة هيجان لا صلة لها بالواقع ولا معنى لها في القرار الأخير!
صحيح أن نمطين من الكلام خرجا ويخرجان من إيران، لكن الأصح هو أن هناك “موقفاً” واحداً… الرئيس الإيراني يقول إن بلاده ستقدم مساعدات “غذائية وطبية” إلى “الشعب” السوري في حالة حصول الضربة. ووزير الدفاع العميد حسين دهقان يؤكد بدوره أن لدى سوريا (النظام) ما يكفي من الأعتدة ولا تحتاج إلى المزيد، أي يقولان بمواربة “واضحة”، إن إيران لن تفتح حرباً فداء الأسد! ولا شيء في الواقع يفاجئ في هذا الموقف باعتبار أنه “بند رئيسي” في أجندة الحكم الإيراني بغض النظر عن الأشخاص.
طبعاً الأضواء مسلطة باتجاه قادة “الحرس الثوري” وقائد فيلق “القدس” قاسم سليماني أكثر من سواه. وهؤلاء عموماً قدّموا مواقف زلزالية وأكدوا البقاء الى جانب الأسد حتى النهاية! لكن الخطاب شيء، والقرار شيء آخر. والواضح، من دون أي أوهام، أن ذلك القرار لا يذهب باتجاه إطلاق ولو رصاصة واحدة ضد الضربة الأميركية المرتقبة إلا إذا ذهب الافتراض إلى حدود الحديث عن “ازدواجية” في السلطة الإيرانية، وهذا أمر لم يطرقه أحد حتى الآن، لا في الداخل ولا في الخارج.
والأرجح استطراداً، ألا يختلف الحال مع “حزب الله” في لبنان. أي ألا يتحرك باتجاه فتح معركة مع إسرائيل أو المصالح الأميركية… الأمر صعب بالنسبة إليه، لكن الخيارات ضيّقة. والتوجيه الأخير والحاسم في قضية وصلت الى هذا المستوى، لا يعود إليه حُكماً! بل الى داعميه وأوليائه في طهران تحديداً.
… لو عاد الأمر إليه وحده لكانت القراءة أكثر تعقيداً(!) علماً أن جزءاً كبيراً من “جمهوره” لم يبلع قصة ذهابه إلى القتال في سوريا دفاعاً عن الأسد، فكيف الحال بإدخال “معركة الأسد” إلى لبنان؟!
ومع ذلك، هناك من يطيب له أن يأخذ على كثيرين “مقاربتهم” لمواقف “حزب الله” على طريقتهم هم! ويفترض أن المنطق العام، الحسابي الناشف والهادئ والبارد شيء، و”منطق” الحزب شيء آخر. و”الخطأ” الكبير الذي يتكرر هو الدمج بين المنطقين!
السنوات الثماني الماضية في لبنان قدّمت ما يكفي من الشواهد الدالة إلى تلك الحقيقة. وبعض تلك الشواهد كلّف الكثير في الأرواح والعمران! فهل يتكرر الأمر الآن ويغلّب “حزب الله” منطقه الخاص على حساب المنطق السليم، الحسابي الهادئ والبارد، ويُدخل لبنان واللبنانيين في أتون تهرب منه إيران وروسيا معاً؟!
… الأرجح أنه لن يفعل هذه المرة.