دعوة الى اضراب شامل للمؤسسات الاقتصادية الخاصة الاربعاء تاريخ 2013/9/4 وتنبيه من حاكم مصرف لبنان الى مخاطر تناسي دور البرلمان ووزارة المال في قرارات مالية ونقدية يعبّران عن مدى تجاهل أو جهل السياسيين لمستوجبات تسيير الشؤون الاقتصادية وتحسين فرص العمل وانفتاح الاسواق للمنتجات اللبنانية والشباب اللبناني الساعي للعمل في الخارج.
قرأت مقابلة مع الدكتور سمير الضاهر، المستشار الاقتصادي للرئيس نجيب ميقاتي، وهو خبير مميز من طاقم البنك الدولي، قال فيه عن دعوة الهيئات الاقتصادية الى اضراب شامل الاربعاء الماضي، انه يرى الامور معكوسة الى حد ما، فالعمال عادة يدعون الى الاضرابات لا أرباب العمل، واشار الى مباحثات مطولة مع رئيس حكومة تصريف الاعمال في شأن البرامج الاقتصادية الاصلاحية، ومن ثم تساءل: وماذا بعد 4 الشهر حينما يطل 5 الشهر، فهل هنالك من تعديل؟
ان هذه النظرة بالمنظار الاكاديمي، المراقب من بعد، لها ما يبررها، لكن الحكومة مستقيلة منذ أشهر وشؤون الناس والاقتصاد يومية، والخناق يضيق على الصادرات اللبنانية الى العالم العربي، وعلى فرص العمل للبنانيين في اتحاد الامارات، وعجز ميزان المدفوعات يتنامى، والمطالبة بزيادة الاجور لا تزال صارخة، وممثلي المعلمين يتصرفون كأن الاقتصاد اللبناني بألف خير، وبعضهم يدلي بتصريحات تبين ان معلوماته بعيدة من الحقيقة بعد القمر من الارض.
نعم، الاصلاحات كانت موضع بحث والحكومة اقترحت خطوات اصلاحية وضريبية غير مكتملة، ونعم تأجلت مطالب المعلمين واحيلت سلسلة الرتب والرواتب على مجلس النواب، الذي لا يستطيع على ما يبدو جمع شمله، لان مكونات المجلس ترغب في الاعتراف بمواقفها ومواقعها قبل حضور أي جلسة.
الشأن العام لا يدار على هذه الصورة، ونحن ندرك ان الرئيس نبيه بري يتمتع بالذكاء والخبرة وهو يدرك مدى عمق الازمة المستحكمة مع انقضاء الوقت من دون تأليف حكومة جديدة ومن دون امكان جمع المجلس والاتفاق على اقرار سياسات تتعلق بأمور كبيرة الاهمية مثل انجاز عقود البحث والتنقيب عن النفط – وفي المناسبة، اكتشفت اسرائيل اضافة الى كميات الغاز المكتشفة في حقلي تامار وليفياتن ما بين الحقلين كميات وافرة من النفط سيبدأ العمل على استثمارها تجارياً خلال بضع سنوات، واتخاذ خطوات أمنية تفسح في مجال استعادة الثقة بلبنان وتحول دون محاصرة آمال اللبنانيين، وكذلك اقرار زيادات على الرواتب، مع تدرج يسمح بامتصاصها تدريجاً.
تأجيل القرارات الجذرية، والاسترخاء في مناخ اللاعمل، مع تحصيل المعاشات التي تخلت عنها بمبادرة مشكورة السيدة بهية الحريري، كما سعد الحريري، ستؤدي حكماً الى اقفال عدد كبير من المؤسسات التجارية والصناعية في وقت لا يتجاوز شهرين من تاريخ الاضراب العام، الذي قصد منه التنبيه الى خطورة الوضع، فالبيانات والندوات والمقالات انزلقت على أجساد النواب من غير ان تطاول عقولهم وضمائرهم.
اذا كان الاضراب العام لن يؤتى ثماره، فلأن الهيئات عبرت عن مواقفها تكراراً ونبهت الى اننا مقبلون على ازمة حادة من غير ان تلقى استجابة حكومية، أو نيابية على مستوى المشاكل العالقة. فماذا بعد؟
لعل كلمات مختصرة لحاكم مصرف لبنان، وهو لا يعبر الا عما هو مطلوب وبايجاز، لكن الايجاز لا يمنع من ادراك أبعاد تصريحاته أو تعليقاته، وقد تحدث باختصار في مؤتمر انعقد الثلثاء تاريخ 2 ايلول للنظر الى مستقبل أوضاع القطاع المصرفي.
الحاكم طمأن المستمعين الى سلامة أوضاع القطاع المصرفي ونفى ما ورد في احدى الصحف عن مواجهة مصرف رئيسي مساءلة حول تبييض أموال، وقال انه ليست هنالك أي مسألة تجاه أي مصرف، ومن ثم أفاد ان الاموال الخاصة للمصارف اللبنانية توازي نسبة 10 في المئة من التزاماتها حاليا أو تزيد عليها، وان هذه النسبة سترتفع الى 12 في المئة في نهاية 2014، بحسب توصيات بازل 2.
ما لم يدل به الحاكم، ومعرفته تزيد الاطمئنان الى الوضع المصرفي، ان مجلس بنك التسويات الدولية – الذي يصدر توصيات بازل – أقر منذ فترة قصيرة، تأجير التزام نسبة 12 في المئة من الاموال الخاصة لدى المصارف الاوروبية تجاه التزاماتها حتى نهاية 2018. هذا القرار اتخذ لان المصارف الاوروبية استدانت من المصرف المركزي الاوروبي وصندوق النقد الدولي وصندوق آلية توفير السيولة الذي انشأته السلطات الاوروبية، مبلغ 1,7 تريليون أورو، أي ما يساوي 2,3 تريليوني دولار، وهذه الاموال لن تسدد في القريب العاجل.
وعلى سبيل المثال، “الدويتشه بنك”، هذا المصرف العملاق على الصعيد الاوروبي والعالمي، يواجه ضغوطاً على صعيد السيولة. فالسيولة المتوافرة لديه توازي نسبة ثلاثة في المئة فقط من التزاماته، ولهذا السبب يؤخر “الدويتشه بنك” زيادة التزاماته وفي الوقت ذاته يسعى الى زيادة أمواله الخاصة وآخر اصدار له كان على مستوى استقطاب خمسة مليارات أورو، وهذه المبالغ لن تكفي اذا كان لهذا المصرف وغيره من المصارف الاوروبية ان يوازي نسب السيولة لدى المصارف اللبنانية.
في مقابل التطمين الى اوضاع المصارف، حذر حاكم مصرف لبنان من ان غياب قرار السلطات حول مستويات الاقتراض واصدار سندات دين جديدة لتمويل أمور حيوية، مثل الوقود لمعامل الكهرباء مثلاً، القى على مصرف لبنان، تجاوزاً لدوره أصلاً، مسؤولية تأمين هذه الاموال. هذه النتيجة لا يمكن تحقيقها ما لم يستبدل مصرف لبنان قروضاً مستحقة بسندات يصدرها، وربما فتح مجال الايداع لديه في مقابل فوائد مشجعة لايداع العملات الاجنبية من المصارف لدى مصرف لبنان. ونبه الحاكم الى ان هذه الممارسات خارجة عن مسؤوليات مصرف لبنان الاساسية وان القيام بها ما هو الا تعويض لعجز الحكومة – المستقيلة – والمنتظرة عن التقدم بمشاريع للاقتراض يقرها البرلمان اللبناني.
اخيراً، أشار الحاكم الى ان مصرف لبنان بادر بالتعاون مع المصارف والهيئات المختصة بالاقراض المدعوم، الى تمديد فترات استحقاق القروض المدعومة من سبع الى 10 سنين، وتالياً كان يشير الى صعوبات المؤسسات المقترضة نظراً الى الوضع الاقتصادي المتردي.
هنا السؤال، متى ستكون لنا حكومة، واذا استمر الوضع متى يستقيل النواب، ومتى يتخلون عن مرتبات غير مستحقة، ومتى يستفيقون على مسؤولياتهم الوطنية عن حفظ الاقتصاد وحياة اللبنانيين؟!