بعد انتهاء الحرب الباردة بين المعسكَرين السوفياتي من جهة والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، وبعد تفكك الإتحاد السوفياتي واستئثار أميركا بالهيمنة على العالم على مدى نحو 20 عاماً، ثم فشل خطواتها العسكرية على الصعيد الدولي، خصوصاً في العراق الذي انسحبت منه عام 2011 ونيّتها الإنسحاب الكامل من أفغانستان، مضافاً إليه وضعها الإقتصادي المحفوف بالمخاطر، قابله إستفاقة روسيا بعدما ضاقت ذرعاً منذ إطاحة نظام ميلوسوفيتش وتفكيك يوغوسلافيا من دون تمكنها من حماية حليفها الأقوى في أوروبا الشرقية، مروراً بأحداث الشيشان وجورجيا وقيام الحلف الموالي للولايات المتحدة الاميركية على الخاصرة الروسيّة المسمى “في فور” المؤلف من بولندا والمجر وتشيكيا وسلوفاكيا، ما كان من روسيا إلّا أن هزّت العصا الغليظة في أميركا لتذكرها بأنها دولة عظمى عبر إعادة إحياء بعض الأحلاف القديمة التي ارتمت في أحضان مختلفة في زمن التقهقر الروسي.
وقد كانت سوريا الساحة التي أعادت روسيا منها صحوتها بعدما وجدت من يغذّي هذه الصحوة وإن كانت لمصالح مختلفة.
أما اليوم وقد دارت الثورات في الدول العربية، ولا تزال تدور في جولاتها المستمرة في البلدان عينها التي انطلقت منها، فقد أخذت طابع الثورة المسلحة في سوريا، ولأنّ تراث حكم عائلة الأسد قائم على رصيد مرتفع من الديكتاتورية، إلى جانب التجربة الطويلة في ابتـزاز المجتمع الدولـي حيثما طاولت يداه على حساب آلام شعوب ودول، فقد كان هذا النظام مرتعاً سهلاً للتمدّد الإيراني فيه في ظلّ المواجهة مع معظم الدول العربية المناوئة للفرسنة، بحيث باتت إيران تتحكّم به مثلما يطوّق الأخطبوط فريسته، ولما ضَعُف هذا النظام من جراء تمدّد قوة الثوار، راحت طهران تضعه متراساً لها في مواجهة العالمَين الغربي والعربي لتذكّرهما بأنها موجودة وأنّ وجودها لا يقتصر على الساحة السورية، فهي بالإضافة إلى اتكالها على روسيا كنافذة لها على الغرب فإنها تتكئ على مَواطن القوة لديها حيث أنّ تأثيرها لم يعد يقتصر على كونها مرجعاً للشيعة في العالم فقط، بل على نفوذها العسكري والسياسي الذي بات يشمل دولاً بأمها وأبيها، وليس لبنان وسوريا والعراق إلّا مسرحاً لهذا النفوذ أكانت شعوب تلك الدول راغبة في ذلك أم لا. وهي لا تهمل فرصة في وجه امتدادها في دول أخرى، خصوصاً في منطقة الخليج كما حصل ويحصل الآن في البحرين والكويت. وخوفاً من اتساع رقعة نفوذ إيران في دول أخرى أثير موضوع الوحدة الخليجية في محاولة لتطويق المدّ الإيراني، وجاء انضمام الأردن والمغرب إلى منظمـة الخليج العربي كخطوة تندرج في هذا السياق.
يبقى أنّ النموذج الإيراني يملك دمى متحرّكة هنا وهناك تنفّذ طموحاته واستراتيجيته بحرفيّة لافتة، فتحاول ايران أن تسيطر على بقاع عربية مختلفة آخذة معها مستقبل وآمال شعوب حالمة تنظر إلى الخليج فتراه منارة وتتحسر على آلامها المستمرة منذ الحرب الباردة، وهي تترحّم على أيام تقسيم الشرق الأوسط حيث لم تكن دول الشرق كتلة من النار أو البراكين المشتعلة، بعدما جعلت اليوم إيران من مستقبل هذه الدول قاتماً وقابلاً للإشتعال في أيّ وقت. وها هي اليوم تصادم العالم لأنها تملك القدرة على المغامرة بقسم كبير من شعوب الشرق الأوسط، فتصدمه شمالاً ليرتطم بإسرائيل، أو يساراً ليرتطم بالعالم الغربي من دون السؤال عن مستقبل هذه الدول طالما أنّ ذخيرتها متنوعة، فالشعوب العالقة في فكّها لا تزال أسيرة لها منتظرة ساعة الإصطدام، علّ الخلاص يأتي فينفكّ أسر من تبقى له نصيبٌ بالحياة.
أما إذا نفذّ التحالف الدولي الضربة المتوقعة ضدّ سوريا، فهل ستصبح شعوب الدول الواقعة تحت فكّ إيران محرقة؟ أم أنّ جبل الورق سينهار قبل الإحتراق؟