روى لي الصديق نعمة البستاني حادثة شهد عليها كمتعهّد لتزفيت طريق داخليّة لمنطقة الرابية في منتصف ستينات القرن الماضي.
ظلّت “المحدلة” تتقدّم وتتراجع لأيّام في بقعة لا تتعدّى مساحتها كيلومتراً مربّعاً واحداً محدثة جلبة ذات إيقاع واحد. فخرج من بوّابة “فيلّا” هناك رجل طويل القامة “منفوش” الشعر، واعتلى سلّم “المحدلة” صارخاً في وجه سائقها أن قفْ… وبتعجّب واستفسار سأل السائق ناهِرَه المُرعب: لماذا الصراخ؟ ولماذا توقفني عن العمل؟ فردَّ ذلك الرجل المتوتّر: أريد هدوءاً لأكتب.
وسخر ممتطي “المحدلة” منه، وأكمل عمله. فانتفض الرجل في وجهه، مهدّداً: ألا تعلم بأنني رئيس العالم؟ ونزل عن سلّم “المحدلة” وأكمل كلامه: إن أنتَ لا تفهم بالحسنى، أوقف عملك بالقوة. وانبطح رئيس العالم أمام الآلة الضخمة… فأطفأ قائدها محرّكها.
وهرع البستاني من بعيد، وقد هاله الأمر. واستطلع الخبر، فراح يعتذر ويسترضي رئيس العالم الذي نهض وقال للسائق الأرعن: نعم أنا شارل مالك رئيس الأمم المتحدة.
أستذكر تلك النادرة، لا لسبب يتعلّق مباشرة بالضربة الأميركيّة التي قرّرها الرئيس المباشر للعالم باراك أوباما لسوريا بشّار الأسد، بل التفافاً على التوجس منها، لأتساءل:
أين لبنان اليوم من محادل المتعهّدين تزفيته فوق “روابي” جثثنا؟
كان لبنان مع شارل مالك رئيساً للعالم… وصار خادماً آسيويّاً تسحقه المحادل وتمشي.
كان لبنانُ مع شارل مالك أحدَ من وضعوا شرعة “حقوق الإنسان”، ومع سواه رائداً للفكر والثقافة والفنون الجميلة… وصار هاضماً حقوقَ إنسانه، قامعاً الفكرَ بالجهل، مهمّشاً الثقافة بثقافة الموت، حفّارَ قبور الفنون الجميلة طامرَها بنفايات الفنون غير الجميلة.
كان لبنانُ الرجالَ العظام، وصار لبنانَ “العظْمة” التي ينهشها جيرانه والأبعدون، على مرأى من سائقي المحادل ومتعهّدي الطرق الداخلية والدوليَّة، منه وإليه.
هل نترحّم على الرجال أم على الوطن المحتضر على أيديهم، وبين أيديهم؟ من منهم مستعدّ للنوم أمام “محدلة” لوقف تقدّمها، بينما يسعى بعضهم لاستقدامها، وآخرون لتجنّبها؟
من منهم مستعدّ على الأقل لوقف الجلبة، والضوضاء، والتطبيل والتزمير، لتمكين الخبراء الاستراتيجيّين من التفكير في هدوء قبل إطلالاتهم علينا عبر الشاشات والأثير “لينقنقوا كالدجاج”، “وينعقوا كالبوم”، محلّلين مستنيرين، مدجّجين بالبحوث والمصادر، وذوي باع طويل في الخبرة العسكرية، وحملة شهادات عليا في علوم السياسة وإدارة الأزمات، فيما محاوروهم مشهود لهم بالحياديّة وعدم تبعية إداراتهم لسلطة المتسلطين عليها بحكم حصرية امتيازات امتلاك محطات التلفزة؟!
الضربة الكبرى ليست مقتصرة على ضربة عسكرية مرجَّحة ومترجِّحة، بل في تردّداتها التي تسبقها وتتقدّم عليها، حصلت أم لم تحصل، وفي أضرارها علينا مسبقًا، وقعت أم لم تقع.
والطامة الكبرى ليست في الصراع الدائر حولنا، بل في “ألصَّرَع” داخل رؤوس رجالنا الذين يُخيّل إلى كلّ واحد منهم أنّه رئيس العالم!