Site icon Lebanese Forces Official Website

هل ينجو باراك من شَرَك تردّده؟

 

“الضربة” التي قرّرها الرئيس أوباما للنظام السوري بعد مجزرة الكيماوي، أُجّلت، ليس لأن الرئيس الأميركي لا يتمتع بصلاحيات دستورية لتنفيذها، بل ليأخذ تفويضاً من الكونغرس. والاجتماعات شغالة، وكذلك المناقشات بين أعضاء المجلس واللجان الخارجية في الكونغرس والعسكريين ووزراء الدفاع والخارجية والداخلية…

وهل ترى العودة الى الهيئات السياسية هي جزء أيضاً من تردد أوباما. استمرار في المواقف المتذبذبة، إزاء ما يجري في سوريا؟ تردد أُخذ عليه في مناسبات أخرى، بحيث بات يُلقب بـ”المحارب المتردد”. الآن هناك قراءات عدة للموقف.
1) أيكون الرئيس قد رمى الكرة في ملعب الكونغرس تملصاً من قراره الذي أعلنه في خطابه الأخير؟

2) أيكون قبل العودة الى الهيئات السياسية قد عمل من وراء الكواليس على محاولة تأمين أكثرية تتيح له أكثر من ضربة “عقابية” محدودة، بل ما قد يؤدي الى تفكيك النظام وانهيار ما تبقى من بنيانه الأمني والعسكري؟

3) أهو استدراك متأخر لمواقف اتخذها على امتداد سنتين ونصف السنة والتي أدت الى انعزالية ظاهرة للدور الأميركي في العالم، إزاء تقدم الدور الروسي؟ وماذا لو رفض الكونغرس إعطاءه الضوء الأخضر، على الرغم من الدلائل الأولى على موافقته؟ ما يكون مصيره: النهاية؟ الاستقالة؟ (كما فعل الجنرال ديغول في نهاية الستينات بعد الاستفتاء الشهير الذي خذله؟). بل وماذا تكون صورة الولايات المتحدة الأميركية بعد خذلان الرئيس بالنسبة الى خصومها وحلفائها، وسواهم؟ وماذا تكون الصورة في سوريا وجوارها وخصوصاً لبنان؟

إنها البلبلة بامتياز. لا أحد يعرف ماذا سيحدث. ضربة أم لا ضربة. كونغرس أم لا كونغرس؟ (وماذا عن دور الشعب الأميركي الذي أظهرت استطلاعات أخيرة أن 59 في المئة منه لا يؤيدون التورط في سوريا. أترى يتخلى الرئيس من جديد عن صلاحياته، ليس للكونغرس فقط بل للشعب: نتائج الاستطلاع في مواجهة نتائج صناديق الاقتراع؟ منذ أيام عدة، وبعد خطاب الرئيس أوباما، تملأ الشاشات العربية والغربية وقائع المناقشات التي تجري بين السلطة الأميركية وبين الهيئات السياسية والإعلامية. جدية؟ نعم! لم نسمع أو نشاهد أن أعضاء من الكونغرس يقفون ويصفقون ويهتفون “أوباما من الأبد الى الأبد” كقطعان الماشية. ولا بالروح والدم نفديك يا أوباما! ولا من يشهر مسدساً، أو يخوّن، أو يهدد (كما يحدث في مجلس نوابنا المفدى… أو يرفع أصابعه وبناصره وخناصره ومناخيره وحواجبه وصوته… مهاجماً، لاغياً، مهدداً بسلاح “ديموقراطيته”: للاغتيال أو الحرب الأهلية… كنا نتابع في عالم آخر غير ما تعودنا من عوالم الأحزاب الإلهية والميليشيات و”مجالس شعب” الطغاة. رأينا وسمعنا حوارات وطرح أسئلة ونقداً ورفضاً وقبولاً بهدوء. وجدية. سمعنا أن هناك من كان قلقاً على مصالح أميركا من الأميركيين. وعن سلامة الشعب. وعن ارتدادات الهجوم المحتملة. وعن الحرب البرية. وعن ذاكرة ما جرى في العراق وأفغانستان و11 أيلول الذي تقع ذكراه بعد 3 أيام… والقتلى والخراب. عرفنا أن الأميركيين قلقون جداً. باتوا موضوع القلق لا مصدره. بعد الإخفاقات التي حققتها جيوشهم، والنتائج الكارثية التي نتجت عن حربهم على العراق، وتسليم هذا البلد العربي العريق لإيران…

وعلى الرغم من هذه الصور “الديموقراطية” والتجاذبات سواء في الصحف أو في التلفزيونات، فقد بدا واضحاً أن أميركا اليوم ليست أميركا الثمانينات أو التسعينات. كأنما هناك مشاعر “إنزوائية” عند الناس، ومخاوف من “الإرهاب” (الذي ساهمت أميركا في صناعته). كأنما انتزعت منها المبادرات. وخلعت عن أنوفها الغطرسة. وتحوّلت قطبيتها الواحدة الى مجموعة قطبيات لم تعد فيها المتقدمة أو الفارضة أو الهيمنة. بل بدا أخيراً، وكأن الروس كانوا “اللاعب” الفعّال الوحيد في الحرب القائمة بين الشعب السوري والنظام. (أترى لأنه نظام دكتاتوري لا يحاسب فيه أحدٌ أحداً. ومن يُحاسِبْ يصبحْ مصيره مجهولاً كما أيام ستالين؟).

وها هو أوباما يجول على بعض حلفائه (بعدما تخلّت عنه بريطانيا وأثّرت التفرج حتى الآن!)، ليقنعهم أو ليتأكد من مواقفهم أو لتأمين تمويل للعملية التي قد يعطيه لها الكونغرس ثلاثة أشهر “مبدئية”، شرط ألا تلمس أقدام الجنود “البر”… إلا في حالة التخلص من المخزون الكيماوي في أقبية النظام الكيماوي نظير النظام البعثي الآخر في عراق صدام حسين: كأنه ليس حزب “البعث” بل حزب انبعاث السارين. حزب السارين بشقيه؟ ولمَ لا. فميشال عفلق أنجب للأمة العربية بعثين توأمين. ويكفي واحد منهما ليعود بالخراب والهزائم على بلاده وأمته!

أوباما يجول “مستعطفاً!” (فيا للزمن!)، وكيري وهيغل وسواهما يُقنعان. أترى واقع أميركا الحالي، وفي اللحظة التاريخية أيعود عليها بالخير؟ أم يكشف عوراتها وتراجع نفوذها؟ على كل فمثل النظام السوري الأحمق والمتهور وصاحب الخيارات الإجرامية ضد شعبه، والمجازر الجماعية، وتجاوز الخطوط الحمر… كفيل جداً باستنهاض ولو محدود “مقام” الولايات المتحدة المتردد. فالغباء عدو صاحبه خصوصاً إذا كان وحده في السلطة بلا مجلس نواب ولا حرية ولا ديموقراطية ولا إرادة شعب ولا مؤسسات ولا جيش… ولا حتى شورى ولا حتى إصغاء… ولا حتى ضمير وطني أو إنساني. فالعالم الذي هاله ما رأى من ويلات سببها النظام على امتداد سنتين ونصف سنة وآخرها مجزرة الكيماوي، ومقتل 1450 سورياً وفيهم 450 طفلاً ملفوفين ومصفوفين بأكفانهم كأنهم أكياس. مجرد أكياس، كانت أطفالاً، وناساً، وأرواحاً، وتواريخ وأحلاماً! فعلام سيبقى النظام؟ وماذا ومَنْ سيحكم: بلداً مدمراً بمدنه وآثاره؟ بأكثر من 100 ألف قتيل؟ بـ7 ملايين مهجّر ولاجئ؟ بـ150 ألف سجين؟ باقتصاد منهار؟ بدولة متهالكة؟ بمؤسسات تراكم عليها الموت والموتى والخراب؟ وماذا ينتظر هذا النظام: أن يصفق له الأطفال الشهداء: بالروح والدم نفديك يا بشار؟ وهل يظن هذا النظام “الأخرق” (فقد عقله السياسي منذ رحيل مؤسسه الرئيس حافظ الأسد لتبقى العقول الخرقاء والنفوس البشعة)، إنه قادر على خداع الناس. والصور. والشهادات والأدلة؟ وهل يظن أنه لا يزال قادراً على بلف العالم بـ”أسطورة التكفيريين” و”الإرهابيين” لزرع “الرعب” فيه… وحمله على التواطؤ معه؟ تغير الزمن. وهل يظن أنه لا يزال قادراً على القتل و”المشي في جنازة” من يقتلهم “وبراءة الأطفال في عينيه!”. إن اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أو شهداء 14 آذار… ونتائج التحقيقات، وتصرف النظام وحلفائه (حزب الله وباقي المرتزقة) بإلصاق التهم بالآخرين، أو بالمجهول، أم بإسرائيل… كانت من المؤشرات والعلامات الأولى لبداية سقوطه التي بدأت بانسحاب جيوشه “الممانعة” من لبنان تحت ضغط التحركات الشعبية؟ والغريب أن بلاهة هذا النظام أوصلته الى الاقتناع بأن مشروع فتنة في لبنان كمشروع سماحة المملوك قادر على إنقاذه؟ وأن سلسلة اغتيالات قادرة على تبييض صفحته. وأن وضع سيارات مفخخة في الرويس وفي طرابلس من شأنه إحداث فتنة شيعية سنية يأمل في استغلالها لنشر البلبلة والدم في لبنان كما هي الحال في سوريا؟

أوباما “الحكيم” المتردد إزاء النظام “الأهوج”، فاقد البصر والبصيرة. أوباما “المتردد” إزاء النظام “القاطع” بلغة الدمار الشامل. أوباما المنتظر إزاء النظام المُعجّل سقوطَه بأيديه. وهذا ما كان ينتظره ربما أوباما: أن يقضي النظام على نفسه بيديه من خلال الحرب بينه وبين شعبه. لكن وبمساعدة روسيا بوتين، وإيران الملالي وتابعها حزبنا المفدى، المؤمن بالله حتى القتل، وتمادي هذا النظام باستعمال المحرم من الأسلحة… وآخرها الكيماوي، أخرج أوباما عن “حكمته” “الكونفوشيوسية”، الى ما يشبه استدراك ما تبقى من احتمال حدوث الخراب، واستخدام أنواع أخرى من الأسلحة المحظورة. والنظام ها هو يدفع ثمن جنونه. وها هو أوباما مستدركاً يدفع ثمن تردده. الإثنان في المواجهة ينتظر كل منهما مَنْ يُعينه على إنقاذ نفسه: النظام يُهرَع الى روسيا وكذلك الى إيران ولمَ لا الى الصين وكوريا الشمالية وحتى الى ميليشيا حزب الله و”المجتمع الدولي”! المشلول بـ”فيتو” الصين وروسيا، والثاني، أي أوباما، ينتظر الكونغرس أن يعطيه تفويضاً بشن هجوم محدود “موجع” لن “يكون وخزة إبرة”، على مواقع الجيش… والأجهزة، ومخازن السلاح، ومنصات الصواريخ…

وبين هذا وذاك (وكأن المعركة صارت مباراة ملاكمة على كأس بطولة الأمم أو العالم حاسمة) يقف العالم بقلبه مع الشعب السوري، لكن متخوّفاً من “النصرة” و”القاعدة” والإرهابيين الذين ضخّمهم النظام يشمل بهم كل الثوار، وحذراً من التورط في أي حرب… ويأخذ الشعب الأميركي غداة ذكرى 11 أيلول موقفاً “محايداً”: لا نريد حرباً تذكرنا بالعراق وأفغانستان… وفيتنام. (والمقارنة غير دقيقة!)، وكذلك الشعب البريطاني الذي هزم إرادة كاميرون بخوض الحرب مع حليفه الأميركي (إلاّ إذا استغل اجتماع الـ20 وشارك ضمن المجموعة في حال الموافقة). في هذه المشهديات العالمية التي تعكس بشكل واضح تراجعاً في الانخراط في الدفاع عن قِيَم ادّعاها الغرب وحتى المجتمع الدولي، خصوصاً مجلس الأمن، بدا الشعب السوري في خلفية الخلفية. فمآسيه هزّت القلوب وأثارت ربما الشفقة، لكن لم تهزّ الإرادات المنطوية على ذاتها. وهنا نسأل ماذا لو كانت إسرائيل هي من ضُرب بالسلاح الكيماوي، وسقط من ناسها أقل بكثير مما سقط في سوريا؟ بالطبع، لهبّ العالم “المتحضّر” المدافع عن القيم، وأرسل جيوشه وغواصاته وطائراته بتفويض ومن دون تفويض لعقاب “المجرم” المعادي للسامية والإنسانية والاقتصاص منه، وتعويض الدولة العبرية مالاً وسلاحاً ومعنويات. إنه “الشعب المختار” في نظر الغرب. والشعب العربي هو “الشعب السائب”، وشتان بين شعب “مقدس” وآخر “ملعون”: وكأنما ليس في إسرائيل “متطرّفون” و”تكفيريون” وقتلة. بل كأن ليس في فرنسا الجبهة الوطنية (لوبان وشركاؤها)، وليس في أميركا “حزب الشاي”، وليس في ألمانيا “النازيون الجدد”، وليس في السويد والدانمارك العنصريون الجدد… و”النصرة” بالنسخة الأوروبية الأميركية الإسرائيلية الملوّنة بعناوين التسامح والتملّق والاغتياب.

لكن السؤال الآخر وماذا عن لبنان الواقع بين السندان الإسرائيلي والمطرقة البعثية الإيرانية (أي حزب ولاية الفقيه). سمعنا من الرئيس السوري أن تدخّل أميركا من شأنه أن يحرق المنطقة كلها، ويؤدي الى حرب عالمية ثالثة (وهذا ما سمعنا في خطابه الأول قبل سنتين ونصف السنة)، وهذا ما سبق أن سمعنا من القذافي، وصدام حسين… وها هي إيران (كلاماً وطنطنة) تهدّد وتتوعّد وتنذر “بزوال إسرائيل” إذا تدخّلت أميركا في الحرب السورية (يا ليت إسرائيل تزول ولكن أكيد لن تزيلها إيران ولا النظام السوري: فكيف يزيل “حليفٌ سري” حليفاً آخر معلناً!). ومن يسمعْ هذه النبرات الحادة، يقل “سيخرب العالم”… ولكن توعد النظام السوري وإيران بحرب إقليمية… أو فتن، لن تحدث لا في إيران ولا في أميركا ولا في إسرائيل: بل عندنا في لبنان (إذا حصل). فهو الملعب “الأرحب” و”الأسهل” لمرتزقة النظام البعثي، ولعملاء إيران، تقاطعاً مع إسرائيل (من وراء الكواليس). أفتنة سماحة المملوك. أفتنة متفجرة الرويس، متفجرتا طرابلس؟… وكل هذه الجرائم (وما قد يأتي منها إلينا من بلاد المجرمين) وراءَها النظام السوري نفسه. فمشروع مملوك سماحة استمر مع آخرين. وها هو يصل. ونظن أن لا “التكفيريين” المزعومين ولا “المتطرفين الإسلاميين” ليسوا هم الفاعلين. فالنظام خطط لسيارة متفجرة في الضاحية الشيعية، وأخرى في المدينة السنية لكي تنشب فتنة طائفية. وهنا يمكن القول أن حزب الله الذي اتهم إسرائيل قبل ظهر اليوم التالي بأبواقه، ثم اتهم السيد حسن نصرالله “التفكيريين” مساء اليوم ذاته… لا يعكس الحقيقة. وحزب الله أدرى! ولكن السؤال لماذا يتهم “الحزب” الآخرين بقتل ناسه في الوقت الذي يعرف أن المرتكب هو “حليفه”. ومن يتواطأْ على دم أهله… يتواطأْ على دم اللبنانيين، ومن هذا المنظار نرى أن ارتدادات التدخل الأميركي لن تخترق جدران “الفتنة”. ولكي تعزز هذه التمنيات أن ينسحب الحزب من سوريا ويعود الى ناسه أو يساهم بشكل أفعل في الدفاع عن أمن بلده. ودولته. فهذا أجدى وأنفع من تدخل شكّل ضربة لموقع الحزب وصدقية مقاومته…

إذاً، إنه كلام الانتظار المتأرجح بين شك هنا ويقين هناك. بين مخاوف وبين تمنيات. بين ترقب وقناعة ملتبسة. هل سيفوض الكونغرس أوباما لضربة “ما” للنظام السوري… وإذا كان ذلك صحيحاً: فأي “ضربة”: “ضرب الحبيب زبيب”، ضربة “محدودة” غير مؤثرة. ضربة “موجعة” تنتهي بحبتي أسبرين، أم ضربة أكثر ” من وخزة إبرة” أو أحدّ من سكين! أو من تلك الضربات التي قد تقوّض ما تبقى للنظام من أسس وأدوات إجرام وأسلحة محرمة؟
أم ترى أن الضربة قد “لا تقع” وإذا وقعت فكأنها لم تقع؟

Exit mobile version