#dfp #adsense

عن إضراب أصحاب العمل…والحكومة التي لا تحكم!

حجم الخط

أن تقرر الهيئات الاقتصادية اللبنانية الاضراب عن العمل مهددة بخطوات تصعيدية في المستقبل، وأن يكون مطلبها مجرد تشكيل حكومة لادارة شؤون البلد في ظروفه الراهنة، فذلك يعني أن لبنان يمر في أزمة أعمق وأخطر وأفدح مما يظن كثير من أهله.

ذلك أن الطبيعي في أي بلد في العالم أن يضرب العمال، وطبعا العاطلون عن العمل، وكذلك المزارعون والموظفون والمتعاقدون وأصحاب الحاجات من الفقراء وذوي الدخل المحدود (وقد فعلوا ذلك جميعهم خلال الأعوام الماضية) لكن أن يضطر أرباب العمل من التجار والصناعيين والمصرفيين ومالكي الفنادق والمطاعم، الذين يفترض أنهم من غير الفقراء وذوي الدخل المحدود، الى ذلك وطلباً لتشكيل حكومة طالما انتظرها اللبنانيون، فلا معنى له الا أن أزمة استثنائية (هل هي أزمة واحدة فقط؟!) تضرب البلد حاضراً وتهدده بما لا يعرف أحد من الأخطار مستقبلاً.

مفارقة أخرى في بلد المفارقات الغريبة.

لكن لماذا؟!. أولاً، لأن هذه القطاعات الانتاجية والخدمية كانت دائماً، وما تزال، سوق العمل شبه الوحيدة للشبان وللخريجين الجدد من الجامعات، في ظل عجز الدولة عن توفير فرص العمل المطلوبة لهم في كل عام. وثانياً، لاقفال أبواب الهجرة أمامهم للأسباب السياسية والأمنية التي يعرفها الجميع… على الرغم من استيعاب دول الخليج العربية أعداداً كبيرة من بينهم خلال العقود الماضية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن عدم تشكيل حكومة جديدة بعد استقالة الحكومة السابقة قبل نحو خمسة شهور من الآن، أدى نتيجة تداعيات الحرب السورية على لبنان، اقتصادياً وتجارياً وسياحياً وحتى بشرياً في ظل تدفق مئات آلاف النازحين السوريين، الى زيادة الضغوط التي تعرضت لها هذه القطاعات طيلة السنوات الماضية بسبب عجز الحكومة، والحكومات التي سبقتها، عن التوافق على حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي في البلاد.

ولماذا أيضاً؟!. لأن اللبنانيين باتوا محكومين بكم من المفارقات (اقرأ، العيوب) التي يصعب قبولها، أو حتى فهمها، لكنها تحولت مع الزمن الى “نمط حياة” يعيشونه طوعاً أو غصباً عنهم لا فرق، ويظهرون كما لو أنهم لم يعودوا يرفضونه أو حتى يناقشون أسبابه:

ـ في البلد أزمة اقتصادية ـ اجتماعية خانقة، لكن قوى سياسية وحزبية ترى أن أولوياتها، واذا أولويات اللبنانيين جميعهم من وجهة نظرها، في مكان آخر مختلف تماماً: الاحتفاظ بالسلاح غير الشرعي من جهة ومواصلة شن الحرب ضد ما تسميه الاستكبار العالمي والمشاريع الغربية للمنطقة من جهة ثانية.

ـ وفيه “حكومة تصريف أعمال” محدودة المهمة والصلاحيات منذ نحو خمسة شهور الى الآن، لكن قضية هذه القوى في مكان آخر مختلف أيضاً: أولاً، مراعاة أحجام الكتل النيابية وأوزانها. وثانياً، عدم المس بنظرية “الثلث المعطل” في تركيبة أية حكومة اذا كان لا بد من تشكيلها. وثالثاً، التمسك بمقولة “الجيش والشعب والمقاومة” في البيان الوزاري الذي يمكن أن تأخذ الثقة على أساسه.

ـ وفيه كذلك فلتان أمني غير مسبوق، سيارات مفخخة بالجملة وعمليات خطف للمبادلة أو للابتزاز المالي وموجة سرقات بالقوة المسلحة، لكن هذه القوى لا ترى علاجاً لتلك الحال الا من خلال “الأمن الذاتي”… وليتدبر اذاً كل امرئ حماية نفسه بنفسه، أي عملياً بالسلاح الذي يملكه أو يضطر الى شرائه، بما في ذلك أخذ الثأر من الفاعل أو الرد عليه بالمثل عندما تدعو الحاجة!.

ـ وفيه أيضاً مجلس نواب لا يقوم بمهامه ولا حتى يعقد اجتماعاً، بالرغم من أنه مدد لنفسه لعدم الاتفاق على قانون للانتخاب، وذلك لسبب بسيط جداً هو اعتراض الأكثرية على جدول أعماله في غياب الحكومة المسؤولة. لكن رئيس هذا المجلس يصر على اعلان تأجيل كل جلسة من جلساته المقررة نتيجة عدم توافر النصاب مع ابقاء جدول الأعمال على ما هو عليه.

ـ وفيه بعد ذلك كله تقنين قاس في التيار الكهربائي، ونقص فادح في مياه الشرب، وشغور هائل في العديد من الادارات، واضرابات مطلبية في عدد لا يحصى من القطاعات، وتدن في مستوى معيشة الناس يلمس في بعضها حدود ما دون الفقر… لكن القوى السياسية والحزبية اياها لا ترى حاجة الى تشكيل حكومة الا بما يلبي شروطها.

هل يجوز السؤال بعد عن الأسباب التي دعت أصحاب العمل الى الاضراب مطالبين بتشكيل حكومة، أو غداً طلاب المدارس والجامعات من أجل عدم تشكيل حكومة لأنها، في أفضل الأحوال، لن تستطيع أن تقوم بما يفترض أن تقوم به، والمرضى في المستشفيات وخارجها بهدف اقفال وزارة المال لأنها تدفع رواتب نواب ووزراء لا يفعلون شيئاً (شعرت النائب بهية الحريري بذلك فأعادت ما تلقته منذ العام 2009)، أو حتى الأطفال ضد آبائهم وأمهاتهم لأنهم لا يثورون لتغيير هذا الواقع؟.

أم أن هذا السؤال، والكثير من أمثاله، من نوع الهذيان في بلد لا مضمون للتصريحات والمواقف والبيانات والخطب فيه الا هذا المضمون؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل