كتبت رنى سعرتي في صحيفة “الجمهورية”:
أعلن رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق عدنان القصار ان الهيئات ستمنح أصحاب الشأن فرصة لتحكيم ضمائرهم قبل الشروع في أية خطوات أخرى. وفيما أكد انه لا يمكن للمصارف أن تتخذ أي قرار سلبي تجاه المصلحة العامة، أوضح أن هذا لا يعني أن تستمر بالتمويل من دون أن تلمس إصلاحات حقيقية.
كشف رئيس الهيئات الاقتصادية عدنان القصار، في مقابلة مع “الجمهورية”، ان الظروف التشغيلية الصعبة تعكس تراجعا في أرباح المصارف بنسبة 10 في المئة للأشهر التسعة الأولى من العام 2013.
• ما هي الخطوة التالية للهيئات الاقتصادية بعد يوم الإقفال العام؟
إن الإقفال العام الذي نفذناه يوم الأربعاء في الرابع من أيلول وحّد صرخة جميع اللبنانيين إلى كافة المسؤولين السياسيين لتحمّل مسؤولياتهم تجاه الوطن واقتصاده، والإسراع في تأليف الحكومة الجديدة لوقف التراجع الأمني والاقتصادي الحاصل، والعمل على تحصين البلد تجاه ما يلمّ بالمنطقة من أخطار وزلازل سياسية وأمنية.
واليوم، بعد أن وصلت رسالتنا وتردّدت أصداؤها لدى الجميع، فإن أملنا معقود على أن يلقى مطلبنا التجاوب الذي يستحقه نظرا للأهمية الكبيرة لوجود حكومة جامعة وفاعلة تتمتّع بالثقة، وتمسك زمام الأمور في البلد لتوفير الأمن والاستقرار وإيلاء الشأن الاقتصادي الاهتمام المطلوب. ونحن سنمنح فرصة لأصحاب الشأن لتحكيم ضمائرهم والقيام بواجباتهم وتكثيف جهودهم لتلبية مطلبنا، قبل الشروع في أية خطوات أخرى. ولدينا العديد من الخيارات في هذا الصدد التي من السابق لأوانه التحدث عنها الآن. وبعد الزيارة التي قمنا بها إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في صبيحة يوم الإقفال العام، والذي أعرب عن تأييده الكبير لمساعينا التي تلتقي مع مساعيه وأولوياته، سنتابع الالتقاء مع القيادات والفعاليات الأخرى بهدف استكمال تحركنا إذا لزم الأمر.
• هل تعتبر أن التحرك باتجاه القيادات السياسية، وقد فعلتم ذلك من قبل، قد يساعد في الضغط لتشكيل الحكومة؟
نعم، رأينا ضرورة ماسة لذلك، نظرا لأن استمرار التأخير في تشكيل الحكومة ينعكس في المزيد من التعطيل لشؤون الناس ويرخي بثقله على المواطنين والاقتصاد وعلى كافة مفاصل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن أن ذلك يعطل أية مبادرة لتحسين الأوضاع، ويكبّل مساعينا لخرق المراوحة والقيام بجهود لاستعادة حركة وفود السياح والمستثمرين العرب إلى لبنان. فلا طائل من أي جهد أو زيادة أو اتصالات نقوم بها في هذا الصدد من دون وجود حكومة توفر الالتزامات الضرورية والمطمئنة.
وتحركنا جاء انطلاقا من مسؤوليتنا تجاه الوطن واقتصاده لتذكير المسؤولين السياسيين ووضعهم بصورة الأبعاد السلبية للفراغ الحكومي الحاصل، ولمناشدتهم وضع المصالح الوطنية قبل أي شأن آخر. ونحن نأمل أن نلمس التجاوب المطلوب وأن يكونوا على مستوى حجم المسؤوليات في ظل هذه الظروف الدقيقة التي نمر بها.
• ما صحة ما يشاع عن تهديد المصارف بخفض تمويل الدولة؟ خصوصا أن الإنفاق العام كما تُظهر بيانات وزارة المالية، يرتفع بنسب خطيرة.
لا يمكن للمصارف أن تتخذ أي قرار سلبي تجاه المصلحة العامة. ولكن هذا لا يعني أن نستمر بالتمويل من دون أن نلمس إصلاحات حقيقية تنعكس إيجابا على المالية العامة للدولة. واعتباراتنا تنطلق في الواقع من أهمية المحافظة على ملاءة عالية، والتمسُّك بسياساتنا المحافظة للحد من المخاطر وإبقاء المصارف قوة أساسية داعمة للاقتصاد اللبناني وحائط الصد المنيع له تجاه العوامل السلبية.
المالية العامة
• كيف تقيّم وضع المالية العامة اليوم؟
لدينا في الواقع قلق حقيقي من استمرار التدهور في أوضاع المالية العامة مع استمرار التمادي في الإنفاق العام الذي نراه يحدث بصورة عشوائية في بعض الوزارات، بينما يفترض في مثل هذه الظروف أن يقتصر الإنفاق على الأمور الأساسية والطارئة فقط. ها هو الدين العام تخطّى 60 مليار دولار، فيما العجز في الميزانية تعدّى عتبة 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومرشّح أن يصل إلى ما لا يقل عن 6 مليارات دولار بنهاية العام 2013 في ظل ما نشهده من تزايد في عجز مؤسسة كهرباء لبنان، وحتى إلى أكثر من ذلك في ما لو تمّ المزيد من التوسع الإنفلاشي في الإنفاق على الرواتب والأجور.
وضع المصارف
• كيف تقيّم الوضع المصرفي العام خلال العام 2013؟
لا تزال المصارف اللبنانية تمثل العامود الفقري للاقتصاد اللبناني. وقد حافظ القطاع على استقراره ونشاطه وسجل نموا معتدلا مع الحفاظ على وضعيته المالية المتينة، في ظل ملاءة تتجاوز معايير بازل III وتحسدنا عليها معظم المصارف العالمية.
والأرقام المتوفرة للنصف الأول من العام 2013 تشير إلى نمو الودائع بنحو 6.3 مليار دولار، بزيادة 2.1 مليار دولار عن الفترة المماثلة من العام 2012، بدفع من النمو الحاصل في الودائع بالعملات الأجنبية وودائع غير المقيمين. كما سجلت الميزانية المجمعة للمصارف التجارية نموا بنسبة 8.3 في المئة في نهاية حزيران 2013 مقارنة مع الفترة المماثلة من العام السابق. وقد سجلت التسليفات الممنوحة للقطاع الخاص زيادة بنسبة 7.51 في المئة للفترة ذاتها، وهي أقل بنحو النصف عن العام السابق، بما يعكس التباطؤ النسبي في النشاط الاقتصادي.
ونتوقع أن تنعكس الظروف التشغيلية الصعبة تراجعا في الأرباح بنسبة 10 في المئة للأشهر التسعة الأولى من العام 2013، علما أن صافي المداخيل التي ستحقق ستبقى جيدة رغم صعوبة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي نمر بها، خصوصا لدى قياسها بالأداء في باقي القطاعات، وكذلك بالقطاعات المصرفية في الدول العربية والعالمية. ويأتي ذلك بشكل أساسي بسبب إعادة توزيع الحقائب الاستثمارية للحد الأدنى من المخاطر، إلى جانب الاستمرار بتعزيز الملاءة العالية وفوائض السيولة والمؤونات السليمة. وبصورة عامة، ينتظر أن تحافظ المصارف تقريبا على نفس معدلات النمو المحققة في الودائع للعام الماضي، لتسجل نموا بما بين 8 إلى 10 في الئمة بنهاية العام 2013.
• هل تخشون أن يكون العام 2014 أسوأ، خصوصا أن المؤسسات تبدأ قريبا إعداد ميزانياتها للعام المقبل؟
فعلا نلاحظ أن معظم المؤسسات تراعي عصر النفقات للفترة القادمة تحسبا للظروف الطارئة. ولكنني على ثقة أن لبنان، الذي يتأثر بالوضع الداخلي قبل أي شأن آخر، يستطيع في ما لو تمّ تغليب المصلحة الوطنية العليا من قبل جميع الفرقاء السياسيين، من أن يعاكس الاتجاه التراجعي في النشاط الاقتصادي، خصوصا وأننا لا نزال قادرون على ذلك.
ولا شك أن أول الخطوات في هذا الاتجاه هو تشكيل حكومة جامعة وفاعلة تعمل على تحصين البلد واقتصاده وتعزّز الأمن والاستقرار، بما يشكل إشارات إيجابية قوية تساهم في تعزيز زخم النشاط الاقتصادي والاستثماري والسياحي، وتحدّ من الاستمرار في إضاعة الفرص.