شاهد اللبنانيون ويشاهدون كل يوم وقائع منقولة من النقاشات الجارية في البرلمانات الغربية حول الضربة الاميركية – الغربية المحتملة للنظام السوري، كما قرأوا عن استطلاعات الرأي التي تواكب اوسع جدل غربي منذ الاجتياح الاميركي للعراق. وبصرف النظر عن الانقسام الطبيعي حول تأييد الضربة الذي يجتاح اللبنانيين كما العالم باسره، نجدنا امام مشهد دراماتيكي بالكامل في انكشاف بقايا الديموقراطية اللبنانية العليلة امام هذا الجدل الغربي على رغم المحاذير والمخاوف الواسعة التي يثيرها شبح اتساع الحرب.
في لبنان الذي كان سباقا في تجارب المحن والحروب كنت لتأمل ان تترك التجربة ثابتة، جامعة على الاقل، ادانة حاسمة لكل مجزرة من منطلق انساني صرف بمعزل عن الانحياز السياسي. غير ان مجازر كثيرة قبل الغوطة وبعدها لم تحرك ساكنا لدى بعض من يستميتون الآن في الدفاع عن النظام السوري. بعض هذا الشطط يشبه تماما اغرب التبريرات الاميركية والغربية للضربة اذ لا تزال تحصر سبب الضربة بالهجوم الكيميائي على الغوطة. معنى ذلك انه لو مضى النظام في القتل المنهجي “الناعم” بمعدل اكثر من مئة ضحية يوميا بالاسلحة التقليدية لاستمر التغاضي الغربي عن المذبحة اليومية. ثم ان اثارة الخوف الكبير على مسيحيي سوريا بعد تعرض معلولا التاريخية لخطر التهديد بين مطرقة النظام وسندان الاصوليين والذي كشف فداحة المأساة التي تسترهن مسيحيي سوريا لم يقابل في لبنان سوى بمنطق سخيف ضحل وباستغلال رخيص لفوترة التوظيف السياسي وذرف الدموع المتأخرة على المسيحيين.
يخوض الغربيون جدلا واسعا انطلاقا من مصالحهم الذاتية في نهاية المطاف بدليل ان سنتين ونصف سنة من الحرب الطاحنة والمجازر لم تحرك ساكنا الا عندما املت هذه المصالح التحرك. ومن اجدر باللبنانيين في معرفة هذه الحقيقة الشديدة القسوة في واقعيتها وهم الذين تركوا خمسة عشر عاما في حربهم وفي الحرب عليهم الى ان حان اوان التسوية ووضع حد للحروب المختلطة على ارضهم قبل ان يعود شبحها اليوم؟
ولكن اين ما تركته تلك التجارب في “ديموقراطيتهم” اليوم؟ واي منطق “ديموقراطي” هذا الذي يسود لبنان اليوم اذا كانت نقطة اجماع يتيمة على ادانة المجازر باتت مستحيلة واذا كانت الادانة ترتبط بفاعلها لا بضحاياها ايا كان المجرم وايا كانوا ضحاياه؟
هو هبوط مريع لم يكن اللبنانيون في حاجة الى اكتشافه في اي حال. لكن الاسوأ ان يأتي افتضاحه على وقع جدل غربي لا يزال على رغم كل الغضب الذي يثيره منطق المصالح اكثر انسانية بكثير مما لدى بيئة جرفها التوحش. وليس ادل على ذلك من صعوبة الحصول على التفويض الغربي بالضربة لنظام مسلم بفظاعات ديكتاتوريته.