#adsense

«نقاط أوليّة على حروف» الإستحقاق الرئاسي…

حجم الخط

 

يسود في المنطقة وضع استثنائي وتدور أحداث جسام تفوق التصور. نحن نعيش فعلاً أياماً تاريخية ونتواجد عند مفترق طرق خطير عندما تصبح الأزمة السورية عالقة بين احتمالين متعاكسين: بين ان تجنح نحو حرب نعرف كيف تبدأ ولا نعرف كيف تنتهي، أو أن تعود إلى جادة الصواب والحل السياسي.

وما نشهده في لبنان هو وضع غير طبيعي عندما تصبح الدولة مهددة في مؤسساتها يتآكلها صدأ التعطيل والفراغ، ويصبح الكيان مهدداً في توازناته ويكون الوطن مهدداً في دوره وكيانه، وعندما تدخل البلاد في حلقة مفرغة وفي فراغ قاتل وتسقط الاستحقاقات تباعاً ويصبح التمديد سيد الموقف…

ولكن رغم كل ما يجري عندنا ومن حولنا وكل العواصف الإقليمية والأحداث الأمنية وشبح الحرب في المنطقة وهاجس التفجيرات في الداخل، يجب ألا نغفل عن انتخابات رئاسة الجمهورية الذي أصبح على الأبواب وألا نهمل هذا الاستحقاق الوطني الدستوري الرئيس تحت أي ظرف كان وأياً تكن الذرائع والحجج المساقة لتجاوز هذا الاستحقاق ووضعه جانباً… فالاستحقاق الرئاسي لا يشبه أي استحقاق آخر نيابياً كان أم حكومياً، وأي إهمال أو تقصير في شأنه سيقود إلى فراغ في رأس الهرم وعلى مستوى قمة السلطة وإلى عواقب وخيمة خصوصاً في هذه الظروف الدقيقة والحساسة وفي ظل هذا الانقسام المذهبي الحاد والخطير، إضافة إلى ان الفراغ الرئاسي سيُدخل البلاد والعباد في حال من انعدام الوزن وسيقود إلى تصادم السلطات والصلاحيات وإلى اختلال التوازن الوطني …

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وبدء العد العكسي لها بحيث لا تفصلنا عنها إلا مسألة زمنية قصيرة تقاس بالأشهر والآسابيع، لا بد من تبيان أمور على صلة برئاسة الجمهورية انتخاباً وموقعاً ودوراً، إضافة إلى وضع النقاط على حروف الاستحقاق الرئاسي من خلال:

1 – أهمية إجراء انتخابات الرئاسة في موعدها . فهذا ما كان يحدث دائماً في عز أيام الحرب الأهلية عندما كانت المناطق مغلقة ومقطعة الأوصال . وكانت الانتخابات تجري ومعها تداول الرئاسة وعمليات التسلم والتسليم بين رئيس منتخب ورئيس انتهت ولايته … وهذا ما يجب أن يحدث في هذه المرحلة التي لا تحتمل مزيداً من التصدعات والانهيارات في المؤسسات الدستورية والمواقع الوطنية، إضافة إلى مزيد من الفراغ والضياع على مستوى القرار الوطني …

2 – أهمية رئاسة الجمهورية كموقع ودور . فرغم كل ما لحق بالرئاسة الأولى من انتقاص وتقليص في الصلاحيات ومن محاولات منهجية لتهميش دورها على امتداد مرحلة ما بعد الطائف، لا يزال رئيس الجمهورية يشكل ضمانة للسيادة والاستقلال والاستقرار ويلعب دور صمام الأمان في حفظ التوازنات والخصائص اللبنانية . وهذا ما أثبتته التجارب والأحداث في الإشهر والأسابيع الأخيرة عندما وقعت كل المؤسسات والمواقع الأساسية في فخ الفراغ والتمديد وضربت بشكل أو بآخر هيبتها وحتى شرعيتها، وظلت رئاسة الجمهورية حتى الآن بمنأى عن ذلك واستجمعت قواها لملء الفراغ وتعويض الغياب المؤسساتي على مستوى السلطتين التنفيذية والتشريعية . دون إغفال ان الانتخابات الرئاسية تستمد قوتها وأهميتها من أهمية رئيس الجمهورية لأنه بمثابة حجر الزاوية في البنيان اللبناني وهو المؤتمن على الدستور والوحدة الوطنية والعيش الواحد .

3 – عدم جواز الوصول إلى الفراغ في رئاسة الجمهورية وعدم جواز تكرار ما حدث في العام 2007 عندما غادر الرئيس إميل لحود قصر بعبدا ولم يجد من يسلمه الأمانة . نحن نسأل هنا ويحق لنا أن نسأل لماذا لا يحدث فراغ إلا في رئاسة الجمهورية؟ ولماذا لا نرى الفراغ يوماً في رئاستي المجلس والحكومة اللتين تستمران في مطلق الاحوال مع مجلس نواب ممدد له ومع حكومة تصريف أعمال ؟ إن رئاسة الجمهورية لا يجب أن تسقط في الفراغ أياً تكن الظروف والاسباب، وإذا لم تحصل انتخابات رئاسية لأسباب قاهرة يجب ان يستمر رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بالقيام في مهامه في قصر بعبدا إلى حين انتخاب رئيس جديد نظراً للضرورات نفسها التي حتمت التمديد لمجلس النواب. وهذا ما تقره ضرورات استمرار المرفق العام، فكيف إذا كان مرفقاً وطنياً وأساسياً، وهذا ما تدفع إليه ضرورات الحفاظ على التوازن الوطني المبني على توازنات طائفية وسياسية، فلا يعقل ان يقتصر الفراغ على الرئاسة الاولى وحدها وتكون رئاسة المجلس النيابي ورئاسة مجلس الوزراء موجودة و «شغالة» بحكم التمديد وتصريف الأعمال .

4 – ليس المطلوب فقط انتخاب رئيس جديد لعدم حصول فراغ أو شغور في مركز رئاسة الجمهورية. وانما المطلوب ايضاً إعادة الدور إلى رئيس الجمهورية وإعطائه صلاحيات يحتاجها للقيام بدوره بشكل مؤثر وفاعل . وليس المقصود بذلك إعادة رئاسة الجمهورية إلى ما كانت عليه قبل الطائف وإعادة ما أخذ منها من صلاحيات، وإنما إجراء تعديلات دستورية لإعطاء رئيس الجمهورية صلاحيات تتناسب وحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقه وحجم الدور الوطني الموكول إليه. فما بين يدي رئيس الجمهورية وفي حوزته اليوم لا يكفيه للعب دور «الحكم» في حلبة الصراعات والنزاعات السياسية والطائفية والمذهبية، وعلى الأقل فليُعطَ «الرئيس الحكم» ما يلزم لإدارة اللعبة السياسية في البلاد إذا كانت كل القوى والمجموعات السياسية تريده فعلاً حامياً للدستور وحكماً بين اللبنانيين وتسأله دوماً للعب دور الفصل في الأمور الاساسية اللبنانية.

فمنذ العام 2005، عام الخروج السوري من لبنان، بدأت تنكشف عورات وشوائب ونواقص الطائف بعدما كانت قوة الرعاية والوصاية والتدخلات السورية تحجب هذه الثغرات وتوجد حلولاً موضعية لأي مشكلة طارئة . وبعد خروج سوريا من لبنان بدأ اللبنانيون نخباً وشارعاً يشعرون بوطأة الشوائب والثغرات في اتفاق الطائف ولا سيما منها ما يتعلق بصلاحيات رئاسة الجمهورية، بدليل انهم في السنوات الاخيرة عاشوا ازمات سياسية متلاحقة ومتناسلة وفراغات رئاسية وحكومية متقطعة . وهذه الأزمات والتوترات ظاهرها سياسي ولكن عمقها دستوري وناجمة بشكل اساسي عن أزمة حكم دائمة ولكنها كامنة وخفية بنتيجة اختلال حاصل في دور وصلاحيات رئيس الجمهورية بشكل أدى إلى تعطيل دور «الحاكم والحكمْ» لرئاسة الجمهورية وجعله غير قادر حتى على القيام بدور احتواء الازمات والخلافات والفصل بين المتنازعين .

نسمع منذ سنوات كلاماً من سياسيين ومسؤولين من كل الطوائف اللبنانية حول ضرورة إعادة صلاحيات رئيس الجمهورية ولكننا لم نرَ حتى الآن أي مبادرة جدية لا على المستوى السياسي ولا على المستوى النيابي تصب في مصلحة هذا الموضوع بما يؤدي إلى تصحيح الخلل ووقف محاولات شل الحكم وعرقلة مسيرته .

ولكي أكون منصفاً يجب علي القول بان هناك بعض السياسيين يطالبون رئيس الجمهورية في كل مناسبة أو أزمة تمر بها البلاد بتحمل مسؤولياته وتطبيق القانون والدستور إلى ما هنالك من شعارات وذلك عن حسن نية ودفاعاً عن موقع الرئاسة، وبعضهم الآخر يطالبونه بلعب دور «الحكَمْ والحاكم» وذلك عن سوء نية وطمعاً وحلماً بهذا الموقع، وآخرون يطالبون باعادة صلاحيات الرئيس المسلوبة لكن موسمياً بحيث يزايدون سياسياً وانتخابياً لكسب شعبية على أبواب الانتخابات البرلمانية، والمؤسف ان الكثيرين في لبنان لا يعرفون بأن رئيس الجمهورية أصبح من دون صلاحيات وان دستور الطائف جرده من معظم صلاحياته وجعله مكبلاً وغير قادر على الحكم ما أدى إلى عرقلة الحياة السياسية في البلاد وإلى شعور شريحة لبنانية أساسية بالغبن والاجحاف والظلم.

من هنا علينا القول وبكل صدق وصراحة وجرأة ان الاستحقاق الرئاسي مسؤولية وطنية جامعة ولكنه مسؤولية مسيحية بالدرجة الأولى ومسؤولية السياسيين المسيحيين وعليهم ان يستعدوا جيداً له ويحضروا اوراقهم وان لا يدعو هذا الاستحقاق يخرج عن سيطرتهم ولا يدعوا رئاسة الجمهورية تسقط مجدداً في الفراغ .

الاستحقاق بات داهماً ولم يعد بعيداً، والوقت يمر بسرعة والمرحلة لا تحتمل تراخياً وتقصيراً . والقيادات المسيحية التي فشلت في التعاطي مع الاستحقاق النيابي وفي الوصول إلى قانون انتخابات يؤمن التمثيل الشعبي والتوازن الوطني، هذه القيادات مدعوة اليوم أكثر من أي وقت مضى وقبل فوات الأوان إلى رص صفوفها واستجماع قواها ووضع خطة وخريطة طريق لمواجهة الاستحقاق الرئاسي والوصول به إلى شاطىء الأمان .

يكفي ان يتفق المسيحيون على تحديد الإطار العام للمعركة الرئاسية والضوابط التي تحكمها وما هو مرفوض ومقبول، وتحديد مواصفات الرئيس المقبل من خلفية ان تكون متناسبة مع طبيعة المرحلة ومواصفاتها…

وإذا كان الشيء بالشيء يذكر لا بد من الإشارة إلى الموقف الذي اطلقه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع لنقول حسناً فعل عندما طرح وبكل جرأة موضوع رئاسة الجمهورية خلال خطابه الأخير في معراب، لقد أراد إيصال رسائل في كل الاتجاهات وإلى كل من يهمه الأمر مفاده انه إذا كان المسيحيون محرومين من حق إيصال من يريدونه ويختارونه رئيساً للدولة، فليكن لهم على الأقل حق الفيتو وقدرة الاعتراض وقطع الطريق على من يرفضونه ويختاره الآخرون رئيساً وممثلاً لهم على رأس الحكم …

في الختام علينا كمسيحيين ان نعرف ان الاتفاق فيما بيننا هو نصف الطريق إلى كسب معركة الرئاسة وإيصال من نريده ومن سيكون ممثلنا الفعلي في الحكم وعلى رأس الدولة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل