منذ ألفي سنة تقريباً، تَجسد ربّ الاكوان في هيكلٍ فانٍ من أجل أن يُحرر الخطأة من الخطيئة والمتألمين من الألم واليائسين من اليأس والمظلومين من الظلم والعبيد من العبوبدية… وبالمختصر، ليحرر الإنسان من كل شر وظلم وإضطهاد، وهو الذي خلقه على صورته ومثاله منذ البدء.
بناءً عليه، فالإنسان عموماً والمسيحي خصوصاً، عليه أن يكون حراً بحياته بكل جوانبها، من حرية المعتقد والرأي والإختيار الى حرية ممارسة شعائره الدينية والاجتماعية، وعليه أن يُقاوم الظلم والإستبداد، ويَمُد يدَ العون والدعم لكل مُحتاج، وأن يَسعى الى إرساء الديمقراطية بكل أنواعها أينما وُجِد، لأنها وحدها الكفيلة بالحفاظ على حقوق الأقليات التي تعيش في ظل أكثرياتٍ تسعى للهيمنة عليها وعلى قراراتها ومقدّراتها.
منذ اندلاع الثورة السورية، وأبواق النظام داخل سوريا وخارجها، وخصوصاً المسيحية منها، أضف اليها بعض رجال الدين المسيحيين، يحاولون أن يوحوا بأن المسيحيين هناك بأغلبهم مع النظام الذي حماهم طيلة فترة حكمه الديكتاتوري، وأن من سيأتي بعده سيكون أسوأ منه بكثير وسيؤثر بشكل كبير على وجودهم في سوريا، لذلك عليهم أن يدعموه بكل ما تَوَفر لديهم من إمكانات!
إذا كان الإلتزام المسيحي يعني أن تأكل وتشرب وتنام وتُصلّي من دون أن يكون لك رأي في كل ما يحصل من حولك من أحداثٍ وظلم، ومن دون أيّ قُدرة على التأثير بهذه الأحداث سلباً أو إيجاباً، فيُمكن لهذه النظرية أن تكون صحيحة، وعلى جميع المسيحيين أينما وُجدوا، أن يكتفوا بهذا القدر من المسموح لهم القيام به، وكان علينا أن نرضخ لقوى الشر التي زحفت علينا في بداية الحرب اللبنانية وعلى رأسها النظام السوري نفسه، لَكُنا وفرنا على أنفُسنا عَناء الويلات التي مررنا بها والخسائر الكبيرة التي تكبدناها.
لكن تراثنا الذي نفتخر به، وهو ثمرة نضال أجدادنا على مدى 1400 سنة، الذين واجهوا وأنتصروا على جيوش عاتية بالرغم من أعدادهم القليلة ولكن بإيمان وتصميم كبيرين، فرض علينا أن نُقاوم مثلهم وبنفس الإيمان والتصميم، مَن كان يريد جعل لبنان فلسطين بديلة أو محافظة أُخرى من محافظاته. كان لهذا النِضال الأثر الكبير على حياتنا وطريقة عيشنا التي أبَينا الّا أن تكون كما نُريدها نحن وليس كما تُفرض علينا.
فمنذ بداية الأحداث في سوريا، والصلوات تُقام في مُعظم الكنائس اللبنانية على نِيَة المسيحيين ومن أجل انتهاء الحرب والمأساة هناك. وتلبية لدعوة البابا فرنسيس، عمّت الصلوات من أجل سوريا ومسيحييها كل الكنائس والأديرة في لبنان يوم السبت الماضي. أمر طبيعي وفي غاية البساطة. ورغم ذلك، فلم يتجرأ أحد في سوريا ولو على إقامة قداس واحد أو دعوة واحدة للصلاة على نية المسيحيين المضطهدين خلال الحرب اللبنانية على مدى خمسة عشر سنة، ذاق فيها المسيحيون كل أنواع التهجير والتنكيل والخطف والقتل والمجازر.
نحن نعلم أنه لم يكن بإمكانكم أن تفعلوا ذلك خوفاً من أن يبيدوكم كما تُباد الحشرات وكما فعلوا مع مواطنيكم في حماه، أو كما فعلوا مؤخراً في غوطة دمشق، ولا نستعرضه هنا للتنمير عليكم أو للإستهزاء بما أنتم فيه، فقط لنوضح لكم الفرق بين المسيحي الذي يعيش تحت نير الديكتاتورية، والمسيحي الآخر الذي ينعَم بالحرية والديمقراطية ولو بِحدّها الأدنى، وفي أمر هو من أبسط ما يُمكن لإنسان أن يقوم به لنُصرة مظلوم، فكيف بالأمور الكبيرة والمصيرية؟
لذلك ندعوكم لعدم الخوف من المستقبل، لأن التاريخ شاهِدٌ على أنّ الأبطال هم فقط من يصنعون الحرية، وعدم التحسُر والنُواح على هذا النظام المُستبد المُجرم الزائل حتماً.
فحتى لو افترضنا أنه يؤمِن لكم أفضل ما يُمكن أن تحصلوا عليه من حرية وعيش كريم، فمِن المُعيب أن تقفوا بجانب من قتل أكثر من مئتي ألف سوري من مواطنيكم وما زال، لأن هذا ظُلم وإجرام وإرهاب وإنتهاك صارخ لحقوق الإنسان والإنسانية، ولا يمكن ولا بأي شكل من الأشكال أن نكون، نحن أبناء المسيح، من الداعمين له والمُدافعين عنه.