#adsense

“السفير”: “زعل الأحبة”… أشدّ مرارة

حجم الخط

لا شك بأن العلاقة ليست على ما يرام بين الرابية وبنشعي. لكنها أيضا ليست سيئة الى حد القطيعة. إنها أشبه بـ«زعل الأحبة». لا نقاش في جوهر العلاقة ولكن قد يختلفان أحيانا على لون البحر. في الغرام، هذا النوع من التواصل قد يشعل المشاعر، ولكن في السياسة قد يفتح الباب أمام المزيد من التموضع وبالتالي التسرب نحو نسج تحالفات بديلة.
في مخاض التأليف الحكومي الطويل لتمام سلام، لم يغب عن المشهد بعد الاجتماع الشهير لرئيس الحكومة المكلف مع الوفد الذي ضمّ خليلي الحركة والحزب والوزيرين جبران باسيل ويوسف سعادة. حينها، خرج طلال إرسلان ليسجّل امتعاضه من تغييبه. وما فعله المير في العلن فعله «الحزب القومي» و«حزب البعث» في السر فسألا حلفاءهما: «هل تخجلون بنا لكي يتم استثناؤنا هكذا؟». بعد سلام يجب طلب موعد مع بعبدا. وبحسب رواية مطلعين على مسار العلاقة بين الطرفين، «حل الوسط» جاء على يد «حزب الله» الذي طلب «عدم توسيع البيكار واقتصار الوفد على الخليلين وباسيل، على ان تحل حبيا بين التيار والمردة».
يحمل باسيل هاتفه طالبا موعدا من سيد القصر للثلاثة الآنف ذكرهم. وقبل ان يعمّم الخبر في الإعلام تلتقطه رادارات الوزير السابق خليل الهراوي فيعلم به مباشرة سليمان فرنجية. البعض يأخذ على وزير الطاقة عدم التنسيق المسبق مع فرنجية قبل المبادرة الى طلب الموعد المنقوص الحضور، على الأقل من وجهة نظر التيار الفستقي. وتتابع الرواية أن باسيل اتصل بعدها بفرنجية ليضعه في جو ما حدث فلم يجب الأخير. وبقي هاتف زعيم المردة «متدللا» على اتصالين متتاليين من «صهر الجنرال». تكهرب الجو. ما يدعو ربما الى «فلاش باك» بسيط.
في الحسابات الانتخابية، تفيد الوقائع بأن تحالف عون ــ فرنجية لا يمكنه أن يثمر حتى ولو نائبا واحدا في الكورة أو البترون. وفي تاريخ العلاقة، حُذف سليمان فرنجية، الحليف الأصيل لسوريا الأسد، من التحالف الرباعي عام 2005. بعدها بعام، وتحديدا بعد توقيع مذكرة التفاهم بين «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» في 6 شباط 2006، ولد التحالف بين «الجنرال» و«البيك»، علما أن «تكتل التغيير والإصلاح» في برلمان عام 2006 لم يضم زعيم «المردة». وفي العام 2009، ولكي تطبق قاعدة نبيه بري في جلسات الحوار الوطني، والقاضية بأنه لكي تتمثل كل كتلة نيابية يجب أن تتألف من ثلاثة نواب على الأقل، ولدت «كتلة لبنان الحر الموحد» بانضمام النائب إميل رحمة اليها وبرئاسة سليمان فرنجية.
طوال تلك الفترة كان التعاون بين الرابية وبنشعي موجوداً بقوة، و«كتلة لبنان الحر الموحّد» تحضر اجتماعات «التكتل البرتقالي» الأسبوعية، و«البيك» يزور عون في السر والعلن. الى ان طافت على السطح الأزمة السورية وأطاحت كل الملفات فتظهّر الخلاف في وجهات النظر. عون يتحفظ على مشاركة «حزب الله» فيها وفرنجية يؤيدها علنا. وفي اجتماع «بيت عنيا» بدا لافتا غياب «المردة». عندما يسأل فرنجية عن علاقته بالجنرال يجيب: «إنه مثل والدي». ويعلق عون على جواب فرنجية مبتسما: «إذا كنت فعلا كأبيه فليكف عن تناولي في الصالونات».
ربما هذا يفتح الباب أمام التوقف قليلا عند شخصية كل من الرجلين. فالعماد عون، الذي يلامس الثمانين من العمر، تغلب عليه السحنة العسكرية، وعصي بالتالي على التكيف مع نماذج سياسية في النسيج اللبناني، مثل سليمان فرنجية أو ميشال المر أو غيرهما، مع اختلاف الأسباب بالطبع. أما فرنجية فمستريح في أواخر أربعينيات عمره بكل ما تغريه من طموح وشباب. وهذا يجرنا الى الحديث كذلك عن ظاهرة الإرث السياسي في لبنان والتي أطاحتها ظاهرة ميشال عون. فـ«الحلف الثلاثي»، الذي ضم زعماء «الكتلة الوطنية» و«الأحرار» و«الكتائب»، جمع في عزه 55% من تأييد المسيحيين، ليسجل عون بمفرده 70% في ظاهرة لم يشهدها تاريخ لبنان المعاصر، والتي لا يمكن ان يتقبلها بسهولة كثير من القوى السياسية، سواء الحزبية أو التقليدية.
البعض يتهم عون بأنه يدخل نادي الإقطاعيين بدعمه الكبير لجبران باسيل كـ«وريث»، سياسي وعائلي، لزعامة «التيار الوطني الحر»، وبالتالي الجمهور المسيحي الذي يؤيّد العماد عون، بينما يفترض أن فرنجية هو الوريث السياسي لهذا الخيار السياسي. العلم يقول والواقع يؤكد أن «الزعامة أي القيادة تولد بالفطرة ولا يمكن توريثها».
صراع الموارنة الذي يحكم عون وفرنجية، بإرادتهما أم لا، تاريخي وينسحب كذلك على البرودة المتزايدة مثلا بين ميشال معوض و«القوات اللبنانية». عندما تتمدد الأحزاب لتدخل عرين الزعامات التقليدية تشكل امتحانا للأقوى والأوسع انتشارا على أراضي الوطن الصغير. في الحرب، انتهى تمدد «الكتائب» بمجزرة إهدن. أفرز الوجدان المسيحي نوعين من القادة: المسيّس (كميل شمعون وريمون إدة وميشال عون)، والمتعسكر (بيار وبشير الجميل وسمير جعجع وسامي الجميل الذي يحاول ان يكون له ندا). في المحصّلة، أسهم السلاح غالبا ما تكون مرتفعة في الأزمات.

المصدر:
السفير

خبر عاجل