كتب أنطوان فرح في صحيفة “الجمهورية”:
عندما أُثيرت للمرة الأولى قضية رواتب القطاع العام على خلفية أن وزارة المال لم تعد تمتلك المسوغ القانوني للانفاق الاضافي، وبالتالي، قد تضطر الى الامتناع عن دفع الرواتب، قيل أن الأزمة قد تنفجر في ايلول، موعد نفاد المال. حلّ ايلول، فهل سيواجه الموظفون أزمة رواتب آخر هذا الشهر؟
في البيان الصادر عن وزارة المالية عن نتائج الاشهر الخمسة الاولى من العام الجاري، تظهر ملامح الأزمة المقبلة بوضوح، اذا لم يتم اتخاذ اجراءات لمعالجتها. وتُبيّن الأرقام، أن العجز الإجمالي (الموازنة وعمليات الخزينة) حتى أيار من السنة الجارية بلغ 2,446 مليار ليرة، أي ما نسبته 27.93 في المئة من إجمالي النفقات المحققة خلال هذه الفترة، بارتفاع قدره 726 مليار ليرة عمّا كان عليه خلال الفترة نفسها من العام الفائت، عندما بلغ 1,720 مليار ليرة أي ما نسبته 21.79 في المئة من إجمالي النفقات. ويتبيّن كذلك، أن الانفاق ارتفع بنسبة 10.99 %، في حين ان الايرادات ارتفعت بنسبة 2.28 % فقط. وهنا يكمن الخلل.
تُثبت هذه الأرقام حجم الانفاق الاضافي المُقدّر في نهاية العام 2013. ولا يتماشى حجم المصاريف الاضافية مع وضعية الدولة التي يعاني اقتصادها أزمة خانقة. وبدلا من اتباع سياسة تقشف تتماهى مع الأوضاع الاستثنائية التي يجتازها الاقتصاد، عمدت الدولة، بكل أجهزتها، الى فتح مزاريب الانفاق غير المسؤول الى حد أن مستوى العجز ارتفع الى أرقام قياسية. وهذا يعني أن حجم الدين العام الذي بلغ 60 مليار دولار، مُرشّح لارتفاع أسرع في المرحلة المقبلة.
ما يزيد الأزمة تعقيداً، ان هذا الخلل يأتي في توقيت مُريب، في غياب حكومة أصيلة تستطيع أن تُشرف على ضبط الامور، وإصدار سندات دين لتغطية العجز الاضافي. هذا الواقع أثاره حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وسيضطر المصرف المركزي مُرغماً الى التدخل لتغطية هذا العجز، على الرغم من المحاذير التي تحيط في هذا الموضوع. وسبق لمؤسسات دولية أن نبّهت الى ضرورة خفض حجم محفظة الدين التي يحملها مصرف لبنان. وقد قرّر سلامة فعلا تقليص حجم هذه المحفظة لدرء المخاطر والتأويلات، وباشر التطبيق، لكنه اليوم يجد نفسه مضطرا الى ركوب هذه المخاطر مجددا، والعودة الى تمويل الدولة مباشرة، بانتظار حلحلة سياسية تُتيح تأليف حكومة تتولى مهامها في إصدار سندات الدين.
دور وزارة المال
في هذه المعمعة، تتعرّض وزارة المال الى حملات انتقاد على خلفية مسؤوليتها عمّا يجري. وآخر الغيث، أزمة تعاونية موظفي الدولة، التي هدّدت باسمها هيئة التنسيق النقابية، ومنحت وزارة المال مهلة اسبوعين لدفع ما يترتب عليها من أموال الى التعاونية، وإلا..
السؤال، أين يبدأ وأين ينتهي دور وزارة المال في هذه الأزمة؟
كان لافتا قبل أيام، النبأ الصادر عن الوزارة، والذي يفيد بأن وزير المالية أرسل مشروع موازنة العام 2014 الى رئاسة الحكومة، كما تقتضي الأصول. هذا النبأ، يدفع الى التساؤل عن أهمية إعداد موازنات سنوية، وتقديمها الى المناقشة، ومن ثم العودة الى الانفاق وفق الطريقة الاثني عشرية. إذ يعيش البلد بلا موازنات منذ العام 2005.
لكن لوزير المال محمد الصفدي، رأيا آخر في هذا الموضوع. وهو يعتبر ان وزارة المال ينبغي أن تقوم بدورها كاملا في إعداد مشاريع الموازنة، وعرضها على المناقشة ضمن المهل القانونية. وهو تعهد بذلك منذ تسلمه لمهامه، وقد وفى حتى الآن بما وعد به، ولا نية لديه لخرق هذا الالتزام في فترة تصريف الأعمال. من هنا حرصه على تحويل مشروع الموازنة في التوقيت الصحيح. أما إقرار الموازنات فهو من مسؤولية الحكومة مجتمعة، ومن ثم من مسؤولية المجلس النيابي. ودور وزارة المال ينتهي عند حدود تجهيز الموازنة.
في موضوع الانفاق الاضافي الذي يحتاج الى تغطية قانونية لكي يتم دفع رواتب موظفي القطاع العام، يؤكد الصفدي انه جهّز المرسوم الذي يتيح هذا الانفاق، وسيرسله الى رئاسة الحكومة وفق الاصول لكي يصار الى توقيعه من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة، وتكون الاشكالية قد حُلّت. ويرى الصفدي أنه لا توجد مشكلة في دفع رواتب من الاساس، لكن الموضوع أُثير بطريقة خاطئة من قبل البعض، وحصلت شوشرة لا لزوم لها في هذه الاوضاع.
أما في موضوع تعاونية الدولة، التي يقول القيّمون عليها أنها تعاني من أزمة مالية خانقة بسبب توقف وزارة المال عن تسديد ما يتوجب عليها من أموال، فان للصفدي رأيا آخر هنا أيضاً، فهو يعتبر ان وزارة المال تفي بالتزاماتها حيال التعاونية، وقد حوّلت اليها خلال شهر آب الماضي مبلغ 40 مليار ليرة. وبالتالي، لا أزمة مالية في التعاونية تُحتّم وقف الدفع كما جرى. لكن الواقع ان القيّمين على التعاونية أوقفوا الدفع عن سابق تصور وتصميم بهدف الضغط والابتزاز، لأنهم يطالبون الوزارة بتسديد كامل المبلغ المستحق لهم، لايداعه الصندوق. لكن وزارة المال التي توازن بدقة بين المدفوعات المتوجبة عليها لكي تلبّي الجميع، لا تستطيع أن تنصاع لنزوات هذا أو ذاك، وهي توزّع الاموال بدقة لكي لا تظهر أزمة ما، في أي مكان في الدولة.
في النتيجة، المشكلة المالية موجودة وأسبابها معروفة. والمطلوب تأليف حكومة تتولّى وضع خطة طوارىء لمنع وقوع الكارثة.