من دول الممانعة المنتهية صلاحية ديكتاتورياتها الى لبنان بلد الديموقراطية ومقصد السياح وملتقى الحضارات، يطلّ سفير النظام السوري علي عبد الكريم علي والسفير الإيراني غضنفر ركن أبادي. وليس بالضرورة أن يلتقي الرجلان في مكان واحد كي تتضاعف “قوة” الممانعة ويزداد “زخمها”، لكن يكفي أن يتحدثا في يوم واحد بلهجة التكابر التي تخفي خلفها خوفاً وحذراً وهرباً من الواقع حتى تنهال عليهما تمنيات “النأي بالنفس” عن مواجهة العالم من لبنان.
وتأتي تصريحاتهما، بعد أنباء عن دخول المعارضة السورية الى بلدة معلولا المسيحية وبعد تهديد الغرب للأسد. فاتّجه السفير غضنفر الى دارة عون في الرابيه، بينما التزم السفير علي إطلاق مواقفه الممانعة من مقرّ السفارة السورية في اليرزة. فاستغل الأول فرصة وجوده مع رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون ليعبّر عن وجهة نظر بلاده مما يجري ويحدد موقفاً، ويتّخذ موقفه من الرابيه تحديداً رمزية فريدة، خصوصاً بعدما عبّر عون على طريقته رفض التدخل في سوريا، لكن الإجابة أتت عبر الإعلام، وإحداها كلام غضنفر عن التعاون بين “الجمهورية الإيرانية الإسلامية ولبنان، كل لبنان، شعباً وحكومة ومقاومة”.
وليس بغريب أن يصرّ غضنفر على إبداء وجهة نظره على مسمع من حلفاء الممانعة الداخلية، فالخطأ ممنوع “والعتب على الله”.. ولا عجب من أن يذكر السفير الشعب والحكومة والمقاومة كل على حدة، لمعرفته بأن لا تآلف بين الشعب والمقاومة ولا بين المقاومة والحكومة التي لم تشكّل بعد لأن “حزب الله” يعرقل تشكيلها. يبقى أن المواقف التي أطلقها الإعلام البرتقالي حول ما “زعم” أنه يجري في معلولا تتلاقى مع مواقف غضنفر واصفاً المعارضة بـ”المجموعات الإرهابية”.
ولا تقارن ممانعة غضنفر بممانعة علي، وهذا بالضبط ما يثير غضب الشعب اللبناني. فالسفراء السوريون في كل الدول لا تتخطى تصريحاتهم تسجيل موقف لا بل إنهم لا يجرؤون حتى على التمادي في الكلام، ولا بالتهديد والوعيد أو التحذير… ليس لأنهم أقل ممانعة من السفير الذي حظي به لبنان إنما لأن المسؤولين اللبنانيين المكلّفين ضبط الأمور الديبلوماسية يغرقون في بحر من الممانعة الأسدية.
وبينما يعيش اللبنانيون في خوف من أي ضربة غربية موجّهة الى سوريا، وفي رعب من إمكانية أن يستخدم النظام السوري السلاح الكيماوي مرة جديدة كما أشيع، وفي حذر يومي منذ ثلاثين سنة، يظهر السفير السوري على الشاشات غير آبه بمشاعر الشعب اللبناني، وما الغريب فنظامه لا يكترث لشعبه وربّما يعتبره مجرد رقم عددي، فيبدو وكأنه يعيش في عالم آخر يشبه عالم “غراندايزر” القادر على إبادة كل ما يحيط به بكبسة زر!
لم يكن يعلم اللبنانيون أن قوة النظام السوري تكمن في أزلامه وسفرائه الى جانب قوة أسلحته النووية الجاهزة لوضعها تحت الرقابة، ولم يكن يدري اللبنانيون أن النظام السوري سيوقع بنفسه بهذه البساطة ومن المحاولة الأولى. وهذا ما يراه أي قارئ للأحداث المتعاقبة، بينما يرى السفير السوري عكس ذلك قائلاً: “سوريا اليوم أوثق عوداً وأكثر صلابة مما كانت عليه منذ سنتين ونصف”.
لا شكّ في أن كلام السفير السوري يأتي من اللامكان جاعلاً من الكلام السياسي مجرّد أشعار أو كما يسميها الأطفال “استظهاراً” كانوا يحفظونه في المدرسة عن ظهر قلب. لم يشرح السفير كيف اكتسبت سوريا الصلابة؟ هل باستخدام النظام السلاح الكيماوي أم من خلال تعيينه سفيراً في لبنان يطلق لهجته التحذيرية كلّما تراجع تماسك النظام وانكشفت ألاعيبه أكثر على العلن؟ ويضيف أن “سوريا تثق بأنها على موعد مع النصر على الرَّغم مما خسرته من شهداء أبرار”، فهل إيران وروسيا زوّدتا السفير بهذه الثقة العمياء بأن النظام السوري سينتصر؟ فما حدث بالأمس، من خضوع النظام للإرادة الروسية التي تعبّر عن إرادة غربية لا بدّ أن تتّخذ شكلاً قانونياً ما في الأسابيع المقبلة، لا “يبشّر” بهذا “النصر”! وهل ستنطلي على اللبنانيين والعالم حبكة النظام السوري عن أن “التهديد انقلب ذعراً في إسرائيل وإرباكا في فرنسا وبريطانيا وأميركا، وعزيمة في سوريا”؟ ولا بدّ لتثبيته أن تلك العزيمة صحيحة وليست من ابتكار النظام، أن يضمّ السفير عزيمته الى عزيمة النظام لكن على الأراضي السورية وليس من لبنان!
