على وقع الأنباء المتضاربة والغموض المحيط بما يجري فيها، تحوّلت معلولا قبلة الإهتمام العالمي والدولي بإجراءات جدّية تزامنت مع «حملة متاجرة» يستغلّها اللبنانيون عبر شاشات التلفزة لاستغلال مأساتها، في وقت خطا العالم خطوات متقدّمة لمعالجة الوضع فيها، على رغم صعوبة المهمّة. وعليه ما هي المعلومات التي وصلت الأوساط الدبلوماسية الأوروبية؟
في حمأة المأساة السورية التي حوّلت مناطق سورية عدة أرضاً محروقة ومدمّرة بكاملها، تناسى بعض اللبنانيين ما جرى في هذه المناطق ليلقي الضوء على أحداث البلدة المسيحية ـ الآرامية معلولا، في محاولة لمحاكاة الغرب والمسيحيين الذين تحوّلوا بفعل الحملات العسكرية التي شنّها النظام برّاً وجوّاً من جهة، والمجموعات المسلّحة من جهة أخرى “فرق عملة”، في ظلّ نزاع سنّي ـ شيعي وعلويّ مدمّر.
وبعيداً من الحملات الإعلامية التي يخوضها بعض القادة اللبنانيين في نعي الوجود المسيحي في سوريا، خصوصاً بعدما جاءت أحداث بلدة معلولا “شحمة على فطيرة” انصار النظام السوري ومنظّريه الجدد في لبنان. فقد أبدت مراجع أوروبية وفاتيكانية وأممية عناية تامّة بما يجري في تلك البلدة.
وقالت مصادر ديبلوماسية اوروبية تابعت هذا الملف تلبية لنداءات سياسيين لبنانيين ومراجع روحية سورية ولبنانية وشرق اوسطية إنّها تسعى الى تجنيب المدينة حرباً تدميرية كتلك التي جعلت من الغوطتين الشرقية والغربية ومحيط دمشق أرضاً محروقة ومدمّرة مثل القصير وحمص وحلب القديمة. وأشارت الى انّ ما جرى في معلولا لا يقارب ما تتداوله وسائل الإعلام اللبنانية التي تحاول إدراجه في إطار الدعوة الى حماية النظام السوري وتعزيزه في اعتباره الحامي الوحيد للمسيحيين في سوريا، أياً تكن النتائج التي آلت اليها ترسانته العسكرية المدمّرة حيث خاضت عمليات عسكرية في شمال البلاد وجنوبها وعمق عاصمتها.
وأبرز ما في المعلومات التي تلقّتها العواصم الغربية والفاتيكان، أنّ بلدة معلولا شهدت فصلاً من فصول الحرب السورية، ليست لأنّها بلدة مسيحية وآرامية يتحدّث أهلها لغة المسيح، بل لوقوعها على خط الإشتباك بين النظام ومعارضيه، كذلك مختلف المدن والقرى السورية، في إطار الخطة التي وضعها النظام لفكّ الحصار ومنع التضييق على دمشق من جهة، وسعي المعارضة الى تعزيز الطوق عليها بعد فشل “العملية الكيماوية” التي أراد منفّذها حسم المعركة سريعاً منعاً لسقوط الغوطتين في ايدي معارضي النظام وتأمين السيطرة الشاملة من حدود العاصمة الجنوبية، الشمالية والشرقية الى الحدود الأردنية – السورية جنوب البلاد من جهة ثانية.
وقالت المصادر إنّ الجيش النظامي السوري الذي كان يعدّ العدّة علناً لمعركة حلب بعد حمص والقصير فاجأ المعارضة السوريّة بفتح معركة الغوطة الشرقية بدلاً من حلب، قبل ان تعزّز المعارضة سيطرتها الشاملة على الغوطتين لشقّ الجبهة الجنوبية للعاصمة ومنع تحوّل جنوب البلاد منطقة عازلة كتلك التي قامت في شمالها.
وعلى هذه الخلفيات أفادت المعلومات التي تلقّتها المراجع الديبلوماسية الأوروبية والفاتيكان وفرنسا واسبانيا خصوصاً، انّ ما جرى في معلولا كان حرباً عسكرية بكلّ معنى الكلمة، إذ شهدت هجمات عنيفة أعقبت سيطرة المسلحين من مختلف مشاربهم على المواقع العسكرية النظامية عند مداخلها، ولما بدأ الردّ العسكري النظامي تعرّضت أحياء البلدة بكاملها، بما فيها منازلها وأديرتها والكنائس لكلّ أشكال القصف العنيف بالطائرات والبراميل المتفجّرة والمدفعية من مختلف انواعها، فألحقت أضراراً بالغة بها من دون شنّ ايّ هجوم مباشر استهدف تدميرها او تدنيسها كما قيل.
وعلى هذه الخلفيات تحدّثت المصادر عن حملة كبيرة بدأها مسؤولو الأونيسكو لحماية المدينة الموضوعة على لائحة المواقع المحمية منها، وثمّة اتصالات باشرها الفاتيكان ودول غربية اخرى مع المعارضة السورية لتجنيب البلدة حرباً تدميرية، لكنّ ما انجزه “الجيش السوري الحر” من انسحابات من المواقع القريبة من الأديرة والكنائس لم تقم بمثله الوحدات الإسلامية الأخرى، ما دفع باريس الى اتصالات مباشرة مع الرياض والدوحة لإتخاذ الخطوة المناسبة لمنع المسلّحين الإسلاميين من تشويه صورة الثورة السورية ووقف كلّ أشكال الإعتداءات، سواء حصلت أم لم تحصل بعد.
وفي انتظار ان يتكشف الخيط الأبيض من الأسود ممّا يجري في معلولا ومحيطها، فإنّ مراجع لبنانية تبلّغت حجم الضغوط التي تمارس على المعارضة السورية لحماية المواقع الأثرية في البلدة وتجنيبها مصير القرى والمدن المحيطة بدمشق التي سُوّيت مبانيها وشوارعها بالأرض وسط حديث متنامٍ عن مطالبة رئيس أركان “الجيش الحر” بمزيد من الأسلحة النوعية لإنهاء أدوار الإسلاميين أو تقليصها الى الحد الأدنى في بعض المواقع ومنها معلولا ومدن وقرى سوريّة أخرى باتت على خريطة التدمير الشامل قريباً.