#adsense

كيف نحمي معلولا من أضاليل النظام؟

حجم الخط

 

عندما تقع الواقعة، بعضهم يلجأ للصلاة، بعضهم للبكاء العاجِز، بعضهم للكلام الشاعري، بعضهم للنحيب، أما الأكثر خبثاً، فيضيف على “تمسحة نحيبه” كذباً يُساهم أحياناً في توسيع هوّة المشكلة. عندما تقع الواقعة، تهرع كلّ مجموعة إلى تحميل من تريد تحميلهم مسؤولية ما حصل، والهدف دائماً هو الكسب السياسي الخسيس على حساب أي شيء آخر، على حساب الأرواح، على حساب الأخلاق، على حساب القيَم وعلى حساب التاريخ والعراقة والقداسة كما حصل بالأمس وسيحصل غداً في معلولا.

مشكلة أكثريتنا في هذا المشرق التعيس أنها لا تقرأ، وإذا قرأت لا تفهم، وأحياناً لو فهمت، لا تريد أن تفهم. يتحدثون اليوم عن وجود “أكَلَة قلوب وأكباد” في سوريا، يتحدثون عن مجموعات إرهابية تكفيرية ويتحدثون أيضاً وفقط عن مرتزقة. كأن هؤلاء أتوا من فراغ، لا من فبركهم ولا من استغل “بعبعهم” لنيل تأييد الأقليات بعد تخويفها ولا من كان السبب الأساس في الوصول إلى ما وصلنا إليه…

نعم، في سوريا الآن، مجموعات تكفيرية وأكلة أكباد ونظام وحشي دموي وجيش سوري حرّ ويوجد أيضاً معارضة سلمية وهي حتماً أكثرية. وبنتيجة الصراع القائم بين كلّ هذه المجموعات (دون المعارضة السلمية)، نجد أن معلولا وغيرها من المقرات الدينية التاريخية، المسيحية أو غير المسيحية، ستكون عرضة لأي إشتباك يحصل على مقربة منها أو هدفاً لمن يعاديها على قاعدة مذهبية بائدة لا تمتّ للدين بصِلة، أم على قاعدة سياسية ماكرة، تعمل لنصب الأفخاخ وتستغل العناوين البرّاقة لتُمارِس الإجرام الوحشيّ. فتضيع المسؤولية ما بين مجموعات لا دين لها ونظام لا ولم ولن يشبع من دماء الأبرياء، هذا النظام الذي يملك الباع الطويل في تغيير موازين القوى في المراحل الدقيقة والحساسة من خلال الإعتداء على المقار الدينية كما حصل في طرابلس مؤخراً في إنفجاريّ “التقوى” و”السلام” وقبلهما في الرويس لتأليب السنّة على الشيعة والعكس بالعكس، أو في مخطط سماحة- المملوك 2012 لاغتيال الكاردينال الراعي أثناء زيارته طرابلس، أو في تفجير كنيسة سيدة النجاة ذوق مصبح 1994 الذي فُبرك في أقبية النظام السوري لتأليب المسيحيين على سمير جعجع، أو في خطف رهبان دير القلعة بعد مجزرة 13 تشرين 1990 لتأليب المسيحيين على ميشال عون، أو من خلال اغتيال كاهن عاليه الأب فيليب أبو سليمان سنة 1982 لتأليب المسيحيين على الدروز، أو محاولة اغتيال بطريرك الروم الكاثوليك الراحل مكسيموس الخامس حكيم في بحمدون عام 1981، أو اغتيال كمال جنبلاط عام 1977 الذي تسبب بمجزرة دامية في الدامور كلفت المسيحيين 250 مدنياً، أو لحظة اجتاح لواء اليرموك الساحل الشوفي عام 1976 مخلفاً عشرات الضحايا من المسيحيين أو الهجوم على بلدة تل عباس سنة 1975 في عكار من قبل “الصاعقة” الذي خلص بإحراق كنيستها وقتل 15 من سكانها المسيحيين لتأجيج الفتنة بين المسيحيين والسنة أو لحظة هاجمت الفرقة نفسها في العام نفسه قرية دير عشاش الشمالية وذبحت 3 رهبان.

اللافت في ما يحدث في معلولا هو توقيت الفخ الذي نصبه النظام بهدف حجب الأنظار عن مجزرة الكيميائي في الغوطة، واستدراج الرأي العام الغربي لرفع الصوت عالياً ومعارضة الضربة الأميركية المحتملة على سوريا، حيث نفذ “فجأةً” انسحابه التكتيكي من تخوم البلدة التاريخية ليدخل “الجيش الحرّ” الذي ما برح أن تنبه للفخ وترك البلدة التي عاد وسيطر عليها النظام، قبل أن يُعاود الإنسحاب بخساسة لصالح المجموعات التكفيرية التي تُنافسه في الإجرام ويقصفها من بعيد والقوى التكفيرية تسرح وتمرح داخل البلدة، مع تفوّق لافت لوحوش النظام في لعبة كسب الرأي العام من خلال استجلاب بعض رجال الدين “الممانعين”. ودائماً، معلولا تدفع الثمن. فأي تجربة تُثبِت ان هذا النظام يُريد حماية المسيحيين؟

لا يُمكن أن يكون الحلّ في البكاء والنحيب، ومن المُعيب استغلال ما يحصل لكسب النقاط، لأن معلولا الواقعة بين فكّي النظام والتكفيريين في عين الخطر، اليوم معلولا وغداً معلولا ثانية ومن المرجح أن يكون هناك ثالثة ورابعة. الحلّ يكمن في عقد قمة إسلاميةـ مسيحية طارئة لطلب النجدة من المجتمع الدولي عبر نشره قوات دولية تحت الفصل السابع، مهمتها حماية المقار الدينية التاريخية، كصيدنايا ومعلولا ومقام السيدة زينب ومقام خالد ابن الوليد وغيرها من المقامات، حينها تسقط حجج الدفاع عن تلك المقامات التي سبق أن استخدمها “حزب الله” في المرحلة الأولى من مشاركته في معارك سوريا.

كيف السبيل إلى ذلك؟ يؤكد الأستاذ المحاضر في القانون الدولي الدكتور أنطوان صفير في حديث إلى “المستقبل”، أن إمكانية إرسال قوات دولية لحماية المقارّ الدينية أمر وارد يتطلب حالة ضاغطة أو مؤيدة للقمة المذكورة التي عليها أن تتوجه بكتاب تطلب فيه من جامعة الدول العربية التدخل لدى مجلس الأمن للاستحصال على قرار دولي لحماية المقار الدينية في سوريا قبل فوات الأوان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل