يعيش لبنان حال فوضى دائمة. هو، منذ فترة ما بعد الحرب، لم يعرف للاستقرار باباً.
لا كهرباء دائمة، لا ضمان صحي فعال، لا مياه شفة للجميع، لا طرق حديثة، لا حلول لمشكلة السير، لا حدّ أدنى للأجور مقبول، جامعة لبنانية محتلة في معظم فروعها، لا أمن ولا أمان، اغتيالات وتفجيرات، خطف أجانب ولبنانيين، مخيمات من دون رقيب، تهريب على الحدود، في المرفأ وفي المطار، حبوب كبتاغون ولحمة فاسدة، لا قانون حماية للنساء من العنف، دين وطني لا يكف عن الارتفاع، آثار تهدم وسياحة تخفت، أملاك بحرية مغتصبة، عصابات مسلحة وأجنحة عسكرية، احتكارات بفعل الأمر الواقع، محاصيل زراعية تتلف، صناعة وطنية غير موجودة، ادارة فاسدة مرتشية، تلفزيون وطني من عصر آخر، لا ضمان شيخوخة، لا فرص عمل ولا وزارة للتخطيط والانماء.
هي الفوضى. تخال نفسك عام 1950، الا أنك تدرك أن الدولة آنذاك، طرية العود وحديثة العهد، كانت تقوم بما لا تقوم به السلطة اليوم. كأننا نعيش الى الوراء.
أبرز ما ينتج عن حال الفوضى الدائمة في لبنان يُلخص بنتيجتين أساسيتين:
أولاً، عدم تمكن السلطة السياسية في لبنان من تطوير النظام السياسي بحجة الأزمات الاقتصادية والسياسية المستمرة. هي الحجة للاستمرار في الاهمال. يستفيد أكلة الأجياف من الموت. يعيشون على نعوش الفقراء.
ثانياً، تحول المجتمع اللبناني الى مجتمع حرب من حيث السخط الدائم والفوضى فيتحول المواطن الضحية الى مشارك في دورة الفساد والعبثية. ان المجتمع الفقير، الناتج عن الأزمات، يشكل أرض خصبة لاستيلاد التطرف والمشاكل.
لعل ما يسأله اللبنانيون في السرّ أو في العلن، هو السبب الكامن وراء عدم امكان رجال السياسة في لبنان، على اختلاف تلاوينهم السياسية والطائفية اخراج المؤسسات من الفساد الذي يجري في داخلها. حيث أن كل المشاكل التي يعانيها الوطن تحتاج لارادة صلبة لحلها، الا انها تحلّ. فلا مشاكل مستعصية بل ادارة ملفات فاسدة.
توجد اذا قطبة مخفية في هذا السياق. لا بدّ من مستفيد من ابقاء الفوضى مستشرية. اتبع المستفيد تجد الأسباب والحلول. يقول حسن نصرالله عام 1986 “يجب أن نعمل على إنضاج الممارسة للحالة الجهادية، فعندما يصبح في لبنان مليونا جائع، فإن تكليفنا لا يكون بتأمين الخبز، بل بتوفير الحالة الجهادية حتى تحمل الأمة السيف في وجه كل القيادات السياسية (راجع النهار – 27/1/1986).
هي اذا الحاجة الى مجتمع جائع، فقير، مجتمع يبحث عن حلّ لفشل قياداته السياسية. فيكون “حزب الله” هو الحل. بمشروع عقائدي جاهز وسيف ديني حاضر لتسليح الثورة. هو بحاجة الى توفير حال جهادية للثورة.
في خدمة أي مشروع يسعى “حزب الله” الى افقار اللبنانيين؟
يجيب حسن نصرالله في جريدة السفير في نيسان 1986: “نحن لسنا قادرين الآن على إقامة حكم الإسلام، لكن هذا لا يعني تأجيل فكرنا ومشروعنا إلى المستقبل. نحن نطرح هذا الشعار لكي يخرج المسلمون من مرحلة الخجل… ونحن لا نملك اليوم مقومات حكم في لبنان والمنطقة، لكن علينا أن نعمل لنحقق هذا. ومن أهم الوسائل تحويل لبنان إلى مجتمع حرب”.
اذاً، أهم الوسائل للوصول الى دولة اسلامية في لبنان هو تحويله الى مجتمع حرب.
مجتمع الحرب هو الذي يقوم باستغلال كل مقدراته، الاقتصادية والفكرية والبشرية من أجل خدمة قضية يعتبرها أسمىـ ويسعى الى تحقيقها عبر كل الوسائل المتاحة. المطلوب في لبنان اذا مجتمع حرب.
لا تجد مجتمعات حرب في الدول المتطورة، تجد مجتمعات علمية، أو فكرية أو ثقافية معينة. لا حروب عقائدية عندهم. فالتصلب العقائدي عدو التطور الفكري. لكي يزدهر التطرف يجب ان يعيش المجتمع حال قلق وجودي. حال الفقر الاقتصادي قد تشكل المدخل الى العنف. التقدم العلمي والثقافي يقف حاجزا في وجه تجنيده للأطفال. الأمن والسلام يقفان عائق في وجه سيطرته على أجهزة الدولة.
لا يعيش “حزب الله” الا على أشلاء الدولة والتقدم. يحتاج للفقر والتخلف لينتصر. لينجح مشروع الحزب العقائدي يجب ان يفشل مشروع الدولة الحديثة. أن يكفر المواطنون بما آلت اليه حياتهم فيصبحون فريسة في يد ثورة “حزب الله”.
الحل الوحيد لبناء الدولة هو بزوال مشروع “حزب الله” العقائدي. لن تقوم قيامة للدولة طالما بقيت “دويلة”.. “حزب الله”.