كتب عباس صالح في “النهار”:
منتصف تموز الماضي فجر وزير الداخلية والبلديات مروان شربل قنبلة من العيار الثقيل لم تكن متوقعة في الاوساط السياسية والادارية، خلال زيارة تفقدية له الى مباني سجن رومية المركزي لتفقد سير الاعمال والتلزيمات. حينذاك بينما كان شربل يتفقد أشغال صيانة المبنى “د” التي لزمتها الحكومة الى شركة علمت “النهار” انها شركة “إكسا بيتن” وأن المتعهد هو خالد الصاروط، ففازت بتنفيذ مناقصة اشغال ترميم بعض مباني السجن تصل قيمتها الى نحو ستة ملايين دولار، تجرأ وزير الداخلية على تسمية الاشياء بأسمائها، كاشفا عن “أننا امام واحدة من أكبر عمليات السرقة والنصب على عيون الدولة والحراس”. ليشير بيديه الى الاعمال المنجزة قائلا: “انها غير مقبولة، خصوصا لجهة كلفتها الاقل بكثير من الاموال المصروفة، وعدم احترامها معايير أبسط الحقوق الانسانية للسجين، ومعلنا أنه من غير الجائز دفع ملايين الدولارات على أمور لا تراعي أبسط المبادئ التي تعتبر السجين انسانا يتمتع بأدنى الحقوق، ولا سيما على المستوى الصحي”.
قال شربل كلاما كثيرا وكبيرا يومذاك، منها: ان كلفة الكاميرات والاجهزة والمولدات هي 3 ملايين دولار، وكلفة ترميم الابنية 6 ملايين دولار هي فقط أكلاف ترميم لأبنية موجودة، لكن ما شاهدته في المبنى “د” لا تتجاوز كلفة أعماله المنجزة أكثر من مئة ألف دولار!
اثر ذلك التصريح الشهير حصلت سجالات بين شربل وزميله وزير الاشغال العامة والنقل غازي العريضي، الذي رد عليه معتبراً ان “مشكلة سجن رومية متشعبة بكل الروائح الكريهة في الدولة”، ونشأت مذذاك أزمة جديدة داخل الحكومة التي تولى رئيسها تعيين لجنة وزارية تضم نائبه سمير مقبل ووزيري الاتصالات نقولا صحناوي والدولة مروان خير الدين، كما كلفت المديرية العامة لقوى الامن الداخلي هيئة بمعاينة الاشغال ودرسها وتقويمها في ضوء المصاريف التي انفقت، وما اذا كانت متناسبة، بدأت الهيئة عملها منطلقة من التقرير الذي أعده شربل (المنشور ادناه)، في حين واصل ديوان المحاسبة تحقيقاته في القضية، وقام المدعي العام في الديوان فوزي خميس إثر تسلمه كتاباً من الرئيس ميقاتي ووزير الداخلية للتحقيق في هذه القضية، بزيارة الى مبنى السجن وتسلم مستندات متعلقة بهذا الشأن، وأشار في تصريح أدلى به يومذاك انه لاحظ خلال معاينته الأشغال في السجن، “الخلل والنواقص التي أشار اليها الوزير شربل في تقريره، لكن مندوب الشركة المتعهدة أفاد بأن هذه النواقص ليست مشمولة بدفتر الشروط”.
“النهار” استوضحت وزير الداخلية والبلديات حقيقة السر في هذا الصدد فقال: “بعد انتفاضة السجناء في العام 2011 والحريق الذي حصل في السجن، دخلت الهيئة العليا للاغاثة ومجلس الانماء والاعمار ووزارة الأشغال، وصرفت الحكومة مبلغ 13 مليون دولار، ولكن حتى الآن لم نتمكن من وضع السجناء في غرفة تؤمن فيها مستلزماتهم الضرورية”.
ورأى أن “المسؤول الأول عن المشكلة هو من وضع الدراسة وليس المتعهد”، معتبراً أن “هناك سوء نية في الدراسة، التي كان يجب أن تضع أولويات في أعمال التأهيل التي تهم السجين بالدرجة الأولى، قبل الأمور الثانوية، والآن أصبحنا أمام المعادلة التالية: إننا بمبلغ 13 مليون دولار لم نتمكن من نقل سجين واحد من مبنى “ب” الى مبنى “د”.
وعما بلغته التحقيقات بعد قنبلته هذه قال شربل لـ”النهار” إن الملف لا يزال في يد المدعي العام المالي الذي يحقق في الأمر، وعليه لم يعد يهمني أين أصبح الملف، وما يعنيني فقط هو أن ثمة دراسة قائمة الآن على كل ما تم تنفيذه سابقاً في إطار الأشغال المنفّذة في سجن رومية، سواء كانت منفّذة خطأ أو في شكل غير مطابق للمواصفات في دفتر الشروط، أو انها منفذة “من قريبو” والآن يعاد إصلاحها من جديد.
وأعلن اننا ننتظر لنرى ماذا ستقول الحكومة في هذا الصدد، ومن سيتحمل التكاليف، ولنرى ماذا في دفتر الشروط من بنود جزائية في هذا الاطار، ومن سينفذ التصليحات، هل هو المتعهد القديم أم الجديد. فلننتظر ونرَ ماذا ستقرر الحكومة في ضوء حكم المدعي العام المالي.
موجز تقرير شربل
تنشر “النهار” ملخص نص التقرير بملاحظات شربل حول مخالفات الصيانة والترميم في سجن رومية، والتي تمت في المرحلة الأولى في المبنى “د” وكانت موضع اعتراض وتحفظ وزير الداخلية لكون معظم المشكلات التي كانت موجودة سابقاً ما زالت قائمة من دون معالجة وشكلت مصدر شغب وقلق ما يجعل مبنى السجن غير صالح لاستقبال السجناء حتى انجاز الاعمال المطلوبة.
أبرز ما جاء في التقرير:
– نش في السقف.
– عدم استبدال قساطل.
– قساطل الصرف الصحي الأساسية في المناور رغم اهترائها وما زالت المياه تتساقط في الطبقة الأرضية كما كانت.
– صنابير المياه في داخل الغرف ظاهرة وغير مثبتة بشكل جيد مما يسمح بنزعها بسهولة.
– كراسي الحمام والمغاسل مركبة من البورسلان ما يسمح بكسرها وامتلاك آلات حادة منها.
– جميع ابواب الطبقات والاجنحة الرئيسية لا تغلق بشكل محكم، وبالاجمال فان الحديد لم يتم العمل به غير انه تم طليه فقط.
– بعض حواجب ابواب الغرف في كل الطبقات فارغة، ما يسمح للسجناء باخفاء ممنوعات في داخلها.
– بعض مصافي المياه في حمامات الغرف غير صالحة لتصريف المياه. بعض النوافذ الزجاجية الداخلية العائدة لغرف السجناء غير منجزة.
– فتحات ابواب الغرف لا تفتح وتغلق بسهولة.
– الحمامات الخارجية الموجودة في لولب الطبقات منجزة بطريقة سطحية ومهملة.
– “صالونا” الحلاقة في الطبقتين الارضية والثانية لم يتم العمل بهما كليا.
– الحمامات في الطبقة الارضية لم يتم العمل بها كليا.
– كل ممرات الاجنحة في السجن غير مجهزة بانارة مما يعوق المراقبة في شكل جيد.
– الباب الرئيسي لمدخل السجن والابواب الثلاثة العائدة لباحات المبنى لم يتم العمل بها كليا رغم عدم صلاحيتها، انما تم طليها فقط.
– الانارة داخل الغرف ظاهرة وفي متناول ايدي السجناء ومركبة فيها لمبات (توفير) تحتوي على غازات سامة، الامر الذي يشكل خطرا على سلامة السجناء والعناصر المولجة بالحراسة.
– المجارير الرئيسية، اضافة الى مجاري المياه، غير صالحة بسبب كثرة الاوساخ بداخلها مما تسبب بانسدادها.
– البناء العائد للقاعات داخل المبنى لم يتم العمل به كليا رغم انه تعرض للحريق خلال اعمال الشغب التي حصلت سابقا في السجن.
– لم يتم العمل في مبنى الادارة القديم علما انه غير صالح بأكمله وخلال فصل الشتاء تتسرب المباه اليه في شكل غزير من خلال الجدران وفيه عطل كهربائي اساسي في كل مكاتبه، وحماماته غير صالحة.
– الحديد في سقف غرفة المواجهات ما زال ظاهرا، بالاضافة الى الاسلاك الكهربائية والواح الزجاج المكسرة لم يتم تركيب بدل عنها.
– باب غرفة المصعد في الطبقة الارضية غير صالح ولم يتم العمل به.
الطلاء الخارجي للمبنى تم بصورة سطحية من ناحية الحديد والجدران.
– خلال اعمال الصيانة تم نشر النوافذ الحديد في الغرفة الرقم 5 في الطبقة الاولى والغرفة الرقم 7 في الطبقة الثانية والغرفة الرقم 6 في الطبقة الثالثة وتم تلحيمها بعد انتهاء الاعمال في شكل ضعيف وظاهر…
وفي سياق منفصل، أثار الموضوع الذي طرحته “النهار” عن الامن الذاتي وتسليح العناصر البلدية، اهتمام مرجعيات ووزراء ونواب تخوفا من انتشار مسلح ميليشيوي تحت غطاء الشرعية، خصوصا ان لا ضوابط تحكم عمل الشرطة البلدية في اختيار رجالها او تدريبهم.
وعلمت “النهار” ان رئيس كتلة “المستقبل” فؤاد السنيورة اتصل امس هاتفيا بوزير الداخلية في حكومة تصريف الاعمال مروان شربل ولفته الى خطورة التشجيع على استخدام الحرس البلدي المسلح الذي قد تستغله أحزاب من أجل فرض الامن الذاتي في عدد من المناطق بما يشيع حالة ميليشيوية خارج نطاق القانون الذي يفرض نطاقا محدودا لعمل هؤلاء الحراس.
وسألت “النهار” الوزير شربل عن الاتصال، فأوضح ان السنيورة “أبدى تخوفه من تسرّب الحزبيين الى العمل البلدي فطمأنته الى أنني حددت أطرا من أجل ضمان سلامة هذه المهمة ومنها اعتماد السجل العدلي للتأكد من وضع الحرس البلدي، وانهم من غير المطلوبين ومعروفين من سكان المنطقة ويتمتعون بالصفات التي تجعلهم مؤهلين للتعامل مع المواطنين في نطاقهم البلدي”.
وأضاف: “لم نقدم على هذه الخطوة من اجل توفير تنفيعات للاحزاب والسياسيين وسنحرص على ضبط عمل هؤلاء الحراس وفق القوانين المرعية الاجراء، بما يوفر ما أمكن من طمأنينة للمواطنين الذين يريدون ان يروا ان هناك من يسهر على أمنهم”. وتساءل: “من أين سنأتي بحراس من خارج الواقع اللبناني؟ هل نستوردهم من سويسرا مثلا… لقد أكدت في الاجتماعات مع البلديات ان تمارس توجيها مشددا لكي ينضبط الحرس البلدي في نطاق العلاقات اللائقة مع المواطنين، وهذا ما شرحته للرئيس السنيورة مؤكدا له ان دور الحراس البلديين سيكون مساعدا للقوى الامنية”. وأشار الى “ان هناك بلديات كبرى وأولاها بلدية بيروت لديها امكانات يجب الاستفادة منها. فبلدية بيروت لديها 800 شرطي بلدي يتقاضون معاشات وبالتالي فان في الامكان الافادة من قدراتهم في الحراسة وتنظيم السير الذي تتولاه قوى الامن وهو ليس من مهماتها باعتبار ان دورها محصور بالطرق الدولية. ولهؤلاء الحراس دور ايضا في تسليم المشتبه فيهم الى المخافر، علما ان عددا من البلديات تمكنت من القبض على عصابات ونالت تنويها منا”.