“حزب الله” يزرع “حواجز الذلّ” على مداخل الضاحية

 

تشعر بغربة عن وطنك وتحديداً عن المنطقة التي ولدت فيها لحظة دخولك اليها مجدداً قبل أن تخرج منها لأسباب خارجة عن إرادتك تتعلق بسلامة عائلتك وأطفال لم يمضِ على دخولهم عالم الطفولة سوى أشهر قليلة كانت كافية لاتخاذ قرار مصيري عنوانه: إمّا البقاء وإنتظار الموت أو الرحيل أقلّه لفترة محددة ريثما تنتهي الاستنفارات وموجة سيارات القتل المفخخة.
“شو فايت تعمل بالضاحية من بعد ما ضهرت منها؟”، سؤال لم يجد له سمير سوى إجابة وحيدة كانت كافية لإذلاله أربع ساعات تحت أشعة الشمس مع طفليه عيسى وفادي. “أنا إبن الضاحية وهون بيتي وأهلي ولمّا خلقت يا تقبرني كنت أنت بعد ما خلقت”. حديث يطول وشرح يصعب على عناصر الحاجز فهمه، “كان كل همهم إذلالي كما فعلوا مع أناس كثر غيري لكنني كنت أكثر حزماً منهم وإرادة رغم السباب والشتائم المتنوعة التي انهالت عليّ، كل ذلك وجاري أبو مصطفى المسؤول في الحزب والذي كان يجلس على كرسيّ خشبيّ يراقبني عن بعد يستمتع بنرجيلته، لم يتوارد إلى ذهنه عِشرة عمر قضيناها سوياً في السلم والحرب، فلم يتلفّظ ولو بكلمة واحدة من شأنها أن تُظلل على أولادي من حرارة الشمس الحارقة”.تحوّلت مهمة الحواجز في الضاحية من الإمساك بالأمن إلى إذلال الأهالي و”شرشحتهم”، عناصر في عمر الشباب لا خبرات اكتسبوها ولا علم مدارس أو جامعات أسعفهم أو ساندهم، “شبيّحة” كل همّهم الدعم المعنوي والمادي، أوراق مهمات عسكرية وُزعت عليهم ورواتب شهرية يُكافأون بها على عملهم. وحدها الحاجة آمنة تراقبهم باستمرار من على شرفة منزلها بالقرب من حاجز حارة حريك فتصف لحفيدها أنواعاً متعددة من فنون التعذيب فيقسم بدوره أنها توازي نوعاً ما الفنون التي كانت تستخدمها عناصر المخابرات السورية في زمن حكمها للبنان، “هنا البهدلة أكبر وبتحرز مع إنو الحاجز قريب جداً من المركز الرئيس للحزب وفي كل مرّة توقف عناصره سيارة لإذلال من فيها، ينظر أحدهم إلى شرفة الحاجة ويصرخ، قلتلك فوتي لجوّا”.

الأوامر واضحة وصارمة والشباب “ما شاء الله ينفذونها بحذافيرها. “هؤلاء الشُباب لا يلعبون، هؤلاء مكلّفون بحمايتكم ويضعون حياتهم على كف يدهم مقابل أن تنعموا بالأمان” جملة حاضرة في جعبة القيّمين على العناصر الموزعة عند أي اعتراض على الإجراءات التي تقوم بها عناصرهم، البعض يخجل والبعض الآخر يُفضّل المواجهة خصوصاً وأنه مضطر للدخول والخروج أكثر من مرّة في اليوم الواحد ومع هذا يخرج هذا البعض خالي الوفاض من عملية تفاوض خصوصاً وأن “الأوامر صارمة وواضحة” والويل لمن يتجاوزها أو يتخطاها، فهنا معبر الحارة الرسمي وهنا طريق الذل والقهر و”يلي مش عاجبو يفل من الضاحية”.

شكاوى متعددة وإشكالات على الدوام تحصل في كل يوم على حواجز “الذل”، لا حرمة للسياسيين ولا للديبلوماسيين، وحده إبن الوزير محمد فنيش يشق طرق الضاحية بسيارته من نوع (ب.ام.دبليو) ذات الزجاج الداكن برفقته بعض من أبناء المسؤولين في “حزب الله” ومن المؤكد أن نجل معاليه لم ينتبه لدى مروره من أمام الحاجز إلى طفلي سمير داخل السيارة ولا إلى العرق الذي كان يتصبب منهما حتّى أنه لم يشعر بأشعة الشمس التي كانت لفحت وجهيهما وتركت أثر احمرارها على وجنتي كل منهما الطريّتين. كان مشغولاً مع “إخوانه” بالتشبيح وبمراقبة الفتيات “خوفاً” من أن تنجح إحداهن في تهريب سلاح أو متفجرة في الوقت الذي كان يخضع فيه رئيس المكتب السياسي في حركة “أمل” جميل حايك لتفتيش دقيق لسيارته علماً أنه كان متجهاً لعقد اجتماع في مكتب الحزب في حارة حريك.

ومن المهام الموكلة لعناصر الحواجز التضييق على الأهالي والقيادات الفلسطينية في مخيم برج البراجنة، وما جرى منذ يومين أثناء مرور موكب العرس، إنما يندرج ضمن هذه المهام. وكان سبق هذه الحادثة توقيف أمين سر حركة “فتح” في مخيم البرج محمد دبدوب من قبل عناصر الحزب، ولدى اعتراضه على الطريقة التي جرى بها التعاطي معه، ما كان من هذه العناصر إلا أن سحبته من سيارته ووضعت كيساً على رأسه وأصطحبته إلى المركز للتحقيق معه وإجباره على تعبئة استمارة وذلك أمام زوجته وأولاده. كما جرى توقيف مسؤول منظمة الصاعقة في مخيم البرج علي المعطي المعروف باسم أبو علي واحتجازه ساعات عدة إضافة الى توقيف عضو قيادة “جبهة التحرير العربية” في بيروت ثائر دبدوب وإهانته.

من سمير وطفليه إلى الحاجة آمنة وحفيدها مروراً بالديبلوماسيين الكويتيين وصولاً إلى جميل حايك وأهالي وقيادات مخيم البرج، اللائحة تطول ويبقى “الذل” عنواناً لكل من أراد المرور بالضاحية وفي ظل تصاعد الشكاوى بشكل يومي، يجلس المسؤول أبو مصطفى على كرسيه الخشبي يستمتع بنرجيلته عينه على ابن الوزير الذي قد يحتاجه في أي وقت حاله حال مسؤولين كبار في “حزب الله” أوكلوا مهمة أمن الضاحية الجنوبية لمجموعة من المراهقين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل